فجر اليمن وسقوط المثقف العربي
Backملخص الخبر
- أظهرت الحروب في المنطقة هشاشة البعد الثقافي العربي وغياب فكرة المصير المشترك.
- تعد قضية فجر اليمن معركة تتجاوز حدود اليمن وتتعلق باستقرار المنطقة العربية بأكملها.
- يجب على المثقف العربي تجاوز الانتماءات الفئوية والوقوف على معايير واضحة لتمييز الحق من الاعتداء.
- يعد استقرار المملكة العربية السعودية ركيزة أساسية لأمن واستقرار المنطقة العربية ومستقبلها.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
أظهرت الحروب التي مرت بها المنطقة هشاشة البعد الثقافي الذي يفترض أن يجمع العرب. فالوحدة في اللغة والدين لا تكفي إذا غابت فكرة المصير المشترك، وإذا أصبح أمن كل دولة مسألة تخصها وحدها. من هنا تنشأ المفارقة: تتعرض المنطقة لأزمات متتابعة، بينما يزداد خطابها الثقافي انقسامًا، وتضيق رؤيته حتى لا يرى في الحدث إلا ما يخدم الانتماء الفئوي..
المثقف ليس ناقلًا للأخبار ولا معلّقًا على الأحداث من موقع المتفرج؛ إنه صاحب رؤية تساعد مجتمعه على فهم ما يجري، وصاحب مبادئ تمنحه القدرة على التمييز بين المواقف حين تختلط الشعارات بالمصالح. ولا تعني الثوابت أن يكرر المثقف خطابًا جاهزًا، بل أن يمتلك معيارًا واضحًا يزن به الأحداث، وأن يتحرر من انتماءاته الفئوية عندما يصبح أمن المجتمعات ومستقبلها على المحك. فالموقف الذي يتبدل بتبدل الطرف، أو يتوقف عند حدود الجماعة، لا يصنع وعيًا، ولا يؤدي مسؤولية الثقافة.
من هذا المنطلق، ينبغي قراءة “فجر اليمن” بوصفها معركة تتجاوز حدود اليمن، وتتصل باستقرار الدول العربية ومستقبل المنطقة بأكملها. فالصراع لا يدور حول واقعة عابرة أو خلاف سياسي محدود، بل حول قدرة الدول على حماية أمنها، وصون سيادتها، ومنع القوى التي تزعزع الاستقرار من فرض واقعها على المجتمعات والدول. وحين تتعرض دولة لاعتداءات متكررة، فإن أثر ذلك لا يقف عند حدودها؛ إذ يمس أمن الجوار، ويهدد فرص الاستقرار، ويجعل مستقبل المنطقة كلها أكثر عرضة للاضطراب.
وكان من الأولى بالمثقف العربي أن يتعامل مع هذه الحقيقة بوضوح، وأن يتجاوز حسابات الاصطفاف الضيقة. فليس من الإنصاف أن تُقرأ الاعتداءات على المملكة العربية السعودية من خلال مواقف مسبقة أو انتماءات فئوية، وأن يُغفل ما تتحمله المملكة وهي تواجه اعتداءات عبثية لا تهدد أمنها وحده. إن حماية أمن المملكة في هذا السياق ليست شأنًا محليًا منفصلًا عن بقية العرب؛ فاستقرارها ركيزة أساسية لاستقرار محيطها، وما يُصان اليوم من أمنها ينعكس على مستقبل المنطقة العربية بأسرها.
ومع ذلك، بدا جزء من الخطاب الثقافي العربي عاجزًا عن تسمية الأمور بوضوح. انشغل بعض المثقفين بتصنيف المواقف وفق هويات الأطراف، أو بترديد شعارات تبرر الاعتداء ما دام يصدر عن جهة يناصرونها. وغابت الأسئلة التي يفترض أن يتقدم بها المثقف: ما أثر هذا المسار على أمن الدول؟ من يتحمل مسؤولية استهداف المدنيين والمنشآت؟ وهل يمكن بناء مستقبل عربي مستقر بينما تُترك الاعتداءات بلا إدانة واضحة، وتُقدَّم الفوضى في صورة موقف سياسي مشروع؟
إن استقلال المثقف لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من الحق والاعتداء، ولا يقتضي مساواة الدولة التي تسعى إلى حماية أمنها بالقوى التي تستهدف استقرارها. الاستقلال الحقيقي هو أن يحتكم إلى معيار معلن، وأن يدين الاعتداء لأنه يهدد حياة الناس وسيادة الدول، لا أن ينتظر ليتحقق من هوية المعتدي. أما الحياد الذي يتجاهل طبيعة الفعل ونتائجه، فليس اتزانًا؛ إنه تخلٍّ عن المسؤولية، وقد يتحول، من حيث لا يريد صاحبه، إلى غطاء يشرعن الفوضى.
لقد أظهرت الحروب التي مرت بها المنطقة هشاشة البعد الثقافي الذي يفترض أن يجمع العرب. فالوحدة في اللغة والدين لا تكفي إذا غابت فكرة المصير المشترك، وإذا أصبح أمن كل دولة مسألة تخصها وحدها. من هنا تنشأ المفارقة: تتعرض المنطقة لأزمات متتابعة، بينما يزداد خطابها الثقافي انقسامًا، وتضيق رؤيته حتى لا يرى في الحدث إلا ما يخدم الانتماء الفئوي. وفي ظل هذا الانقسام، يصعب بناء تصور مشترك للمستقبل، ويزداد الضباب ثقلًا أمام الأجيال التي تبحث عن أفق عربي مستقر.
“فجر اليمن” يضع المثقف أمام سؤال جوهري: هل يرى في أمن المملكة واستقرارها مسألة عربية مشتركة، أم يحصرها في حسابات الخصومة والانتماء؟ إن من الإنصاف أن يقال إن المملكة تتحمل اعتداءات عبثية في سبيل حماية استقرارها، وإن هذا الاستقرار لا ينفصل عن أمن المنطقة العربية ومستقبلها. والمثقف الذي يرفض رؤية هذه الصلة، أو يمتنع عن قولها خشية أن تخالف اصطفافه، يفقد وضوح الرؤية الذي يمنح الثقافة معناها.
لا يُطلب من المثقف أن يتخلى عن حقه في الاختلاف أو النقد، بل أن يمارس ذلك من أرضية ثابتة، وأن يميز بين النقد المشروع وبين تبرير الاعتداء. فالمستقبل العربي لن يُبنى بالشعارات المتقلبة، بل بوعي يدرك أن أمن الدول العربية مترابط، وأن استقرار المملكة جزء من استقرار المنطقة. وحين يعجز المثقف عن الدفاع عن هذه الحقيقة، لا يسقط موقفه وحده؛ بل يسقط معه جزء من الدور الذي يُفترض أن تؤديه الثقافة في حماية المجتمع وتوجيهه نحو مستقبل أكثر أمنًا. ولعل أخطر ما يكشفه هذا المشهد أن مستقبل المنطقة لن يُصان بالشعارات، بل بالقدرة على رؤية الحقيقة كما هي، وبالشجاعة التي تمكّن المثقف من قول ما يجب قوله حين يصبح الصمت شكلًا آخر من أشكال المشاركة في الفوضى.
نقلاً عن “الرياض”
المصدر: العربية – سياسة