فخاخ يضعك فيها عقلك
هل عقلك ماكينة باردة صماء، هل هو فى منتهى النزاهة والحياد واتباع المنطق؟ للأسف لا؛ فهو ينحاز ويتوهم ويعتنق إطارات ثابتة وبراويز جامدة، هو باختصار ينصب لك فخاخاً، ويجعلك تقتنع بالوهمى، وتؤيد الخطأ، بل الضار، فنحن لا نرى العالم كما هو، بل كما يسمح لنا عقلنا أن نراه، نتصور أن قراراتنا بنت المنطق، بينما يختبئ خلف كثير منها عقل سريع يحب الاختصار ويكره الاعتراف بالخطأ، عقل لا يبحث عن الحقيقة، بل عن النجاة، الأخطر أن هذه الأخطاء لا تأتينا وهى تحمل لافتة تقول: «انتبه، أنا خدعة»، بل تأتينا فى صورة يقين وثقة وقناعة راسخة، لذلك قد يكون أذكى إنسان ضحية لعقله دون أن يدرى، أُقدم لك بعضاً من تلك الفخاخ، التى تقع فيها وأنت تقسم بأغلظ الأيمان أنك تفكر بمنتهى العقلانية، أولها هو الانحياز التأكيدى.
أنت لا تبحث دائماً عن الحقيقة، بل كثيراً ما تبحث عن محامٍ يدافع عن فكرتك القديمة، مَن يعتقد أن لقاحاً ما خطير، مثلاً، قد يقرأ عشر دراسات تؤكد أمانه ثم يتعلق بقصة واحدة لشخص مرض بعد التطعيم، العقل هنا لا يسأل: ما الأدلة؟ بل يسأل سراً: أين الدليل الذى يريح اعتقادى؟. منها الانحياز للسلبية، كلمة جارحة واحدة قد تطاردك طوال الليل، بينما تمر عشر كلمات مديح كأنها لم تكن، فالدماغ البشرى تطور فى عالم كان اكتشاف الخطر فيه أهم للبقاء من الاستمتاع بالمنظر الجميل، مَن تجاهل زهرة جميلة لم يمت، أما مَن تجاهل صوت حيوان مفترس خلف الشجرة فقد لا ينقل جيناته إلى الصباح التالى!.
لذلك تملك الأخبار السيئة قدرة مذهلة على اختطاف انتباهنا، وهناك تأثير التأطير فهو خدعة اللغة للأرقام، قل للمريض: «هذا العلاج ينجح فى 90% من الحالات»، فيشعر بالاطمئنان، وقل له: «يفشل فى 10% من الحالات»، فيشعر بالقلق، مع أن المعلومة الرياضية واحدة، نحن لا نستجيب للحقائق فقط، بل للطريقة التى تُغلَّف بها الحقائق، وهنا تحديداً يلعب الإعلان والسياسة والدعاية ألعابهم المفضلة، أما مغالطة التكلفة الغارقة، فهى تخضع لأنانيتنا الاقتصادية، دفعت ثمن تذكرة فيلم واكتشفت بعد نصف ساعة أنه كارثة، لكنك تجلس ساعتين لأنك «دفعت الفلوس»، أكملت خمس سنوات فى مشروع فاشل، فتقرر أن تضيف إليها خمساً أخرى لأنك خسرت الكثير بالفعل!. المنطق يقول إن ما ضاع قد ضاع، وإن السؤال الصحيح ليس: كم دفعت؟، بل: هل يستحق الأمر أن أدفع المزيد؟.
هناك وهم الحقيقة، الجملة التى تتكرر أمامنا كثيراً تصبح أكثر ألفة، والألفة قد تُشعر العقل بأنها أكثر صدقاً، وهنا تكمن خطورة الشائعة فى عصر السوشيال ميديا، فالتكرار ليس دليلاً، وعدد المشاركات ليس بحثاً علمياً، والتريند ليس شهادة جودة للحقيقة، أما هذا الاسم الغريب، تأثير دانينغ – كروجر، ففيه قد يبالغ قليل الخبرة فى تقدير معرفته، لأن معرفة حدود الجهل تحتاج هى نفسها إلى قدر من المعرفة.
لذلك تسمع أحياناً شخصاً شاهد ثلاثة فيديوهات تشرح بمنتهى الثقة خطأ أطباء وباحثين قضوا ثلاثين عاماً فى تخصصهم، أما الخبير الحقيقى فكثيراً ما يقول: «لا أعرف»، ليس لضعفه، وإنما لأنه يعرف حجم ما لا يعرفه، هذه الانحيازات لا تعنى أن العقل تافه أو معطوب، بل تذكرنا بدرس أكثر تواضعاً، العقل الذى اكتشف أخطاء الكون يستطيع أيضاً أن يخطئ فى اكتشاف أخطائه هو، ولذلك فالتفكير النقدى لا يبدأ بالشك فى الآخرين، وإنما بالسؤال الأصعب: ماذا لو كنتُ أنا المخطئ؟.
نقلاً عن الوطن
المصدر: العربية – سياسة





