فخ “الفومو”.. لماذا يشتري المصريون الذهب عند الصعود ويتراجعون عند الهبوط؟
قبل نصف عام فقط، وتحديداً في نهاية يناير، اكتظت محال الذهب في مصر بالمشترين لاقتناص عملات وسبائك ذهبية رغم وصول سعر الغرام (عيار 21) آنذاك إلى ما يتجاوز 7 آلاف جنيه للمرة الأولى على الإطلاق، وهو الأمر الذي اضطر أصحاب المحال لإعداد قوائم انتظار لعملائهم تمتد لنحو 30 يوماً لتلبية الطلب الآخذ في الزيادة.
ومع هبوط الذهب تدريجياً من أعلى قمة له في نهاية فبراير (7500 جنيه للغرام محلياً في مصر) إلى 5660 جنيهاً مع نهاية الربع الثاني من العام، هدأت وتيرة شراء الذهب بشكل ملحوظ في السوق المصرية خاصة على المشغولات.
ما يحدث في سوق الذهب بمصر، يعتبره البعض مخالفاً للمنطق الاستثماري التقليدي الذي يفترض أن انخفاض الأسعار يمثل فرصاً أفضل للشراء، كما أنه يكشف عن سلوك مختلف للمشترين الذين يهرولون إلى المعدن الأصفر بشراهة خلال موجات الصعود، ويتمهّلون مع انخفاض الأسعار، في ظاهرة يرجعها متعاملون وخبراء بالقطاع إلى عوامل نفسية وسلوكية أبرزها الخوف من فوات الفرصة (FOMO) عند الصعود، وترقب المزيد من التراجعات عند الهبوط.
انخفضت مشتريات المصريين من الذهب خلال الربع الثاني من 2026 بنسبة 3.5% على أساس سنوي، لتسجل 11.1 طن مقابل 11.5 طن خلال الفترة نفسها من عام 2025، بحسب بيانات مجلس الذهب العالمي.
وأظهرت البيانات انخفاض مشتريات المصريين من المشغولات الذهبية 14% إلى 4.9 طن خلال الربع الثاني من 2026، مقابل 5.7 طن في الفترة نفسها من 2025، فيما ارتفع الطلب على السبائك والعملات الذهبية إلى 6.2 طن، مقارنة مع 5.9 طن في الفترة المقارنة، بزيادة 5%.
سر “الفومو”
قال رئيس شعبة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية في مصر، هاني ميلاد، إن تراجع أسعار الذهب خلال الفترة الماضية كان أحد الأسباب الرئيسية وراء انخفاض الإقبال على الشراء، موضحاً أن سلوك المستهلكين تجاه المعدن النفيس تحكمه في كثير من الأحيان عوامل نفسية، إذ يزداد الإقبال عادة مع ارتفاع الأسعار خشية استمرار موجة الصعود، بينما يتراجع الطلب عند الهبوط انتظاراً لاستقرار السوق.
ميلاد أوضح لـ”العربية Business” أن الانخفاضات المتتالية لسعر الذهب دفعت كثيراً من المشترين إلى تأجيل قرارات الشراء ترقباً لوصول الأسعار إلى مستويات أقل أو استقرارها، وهو ما انعكس على حجم المبيعات خلال الربع الثاني من العام.
في الأسواق، لا يتصرف الناس وفق المنطق الاقتصادي البحت، بل وفق ما يتوقعون أن يحدث غداً. لذلك أحياناً ينخفض سعر الذهب فينخفض معه الطلب، رغم أن المنطق يقول إن السلعة الأرخص يجب أن تجذب المزيد من المشترين.
عزا رئيس منصة آي صاغة لتداول الذهب والمجوهرات عبر الإنترنت، سعيد إمبابي، تراجع مشتريات الذهب في بلاده خلال الربع الثاني إلى تغير سلوك المستثمرين أو “المضاربين”، وليس إلى ضعف الطلب الاستهلاكي.
وأضاف إمبابي لـ”لعربية Business” أن شريحة كبيرة من المستثمرين تترقب حالياً مزيداً من الانخفاضات السعرية قبل اتخاذ قرارات بالشراء، موضحاً أن نفس الشريحة كانت تقبل على شراء الذهب خلال موجات الارتفاع توقعاً لاستمرار صعوده وتحقيق مكاسب أكبر.
في علم النفس السلوكي يسمى ذلك تأثير الزخم (Momentum Bias)، حيث يفترض الناس أن الاتجاه الحالي سيستمر، فمع تراجع سعر الذهب من مستويات 7000 إلى 5000 جنيه للغرام، فإن المستثمرين لا يرون خصماً في السعر ولكن يركزون على الاتجاه والذي يمكن أن يصبح 4000 الأسبوع الذي يليه.
عالما النفس السلوكي، دانيال كانيمان وأموس تفرسكي أثبتا أن ألم الخسارة أكبر نفسياً من متعة الربح، وبالتالي فإن حساب المخاطرة يأخذ حيزاً أكبر في التفكير من الربح.
وأضاف إمبابي رئيس “آي صاغة”، أن السنوات الأخيرة شهدت دخول شريحة جديدة إلى سوق الذهب، تضم مستثمرين يقارنون بين عوائد الذهب والشهادات البنكية والعقارات وغيرها من الأوعية الاستثمارية، ومع تراجع وتيرة صعود الذهب اتجه جزء منهم إلى بدائل استثمارية أخرى أو فضّل الانتظار لحين اتضاح اتجاه السوق.
المصانع تشكك في تراجع الطلب
وعلى العكس، قال رئيس شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات المصرية، إيهاب واصف، إن مؤشرات البيع والشراء الفعلية للذهب في السوق المحلية تشير إلى نمو الطلب على المعدن الأصفر خلال الأشهر الـ6 الماضية.
وأضاف واصف لـ”العربية Business” أن هناك تسارعاً ملحوظاً على شراء الذهب في الأشهر الثلاثة الأخيرة، خاصة على المشغولات الذهبية، فيما تراجع الإقبال على السبائك والعملات.
وأشار إلى أن انخفاض الأسعار شجع المستهلكين على شراء المشغولات الذهبية، وهو الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الطلب لمستويات تجاوزت الطاقة الإنتاجية لبعض المصانع، وزاد الحاجة إلى استيراد الذهب الخام لتلبية احتياجات السوق المحلية.
وقفزت واردات مصر من الذهب الخام ونصف المشغول إلى ما يتجاوز 4 مليارات دولار خلال النصف الأول من العام الحالي، مقابل 249.6 مليون دولار في الفترة المماثلة من 2025، بنمو يتجاوز 1500%، بحسب بيانات صادرة عن الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات المصرية.
وكشفت البيانات عن انخفاض صادرات الذهب المصرية بنسبة 43% خلال الفترة نفسها، لتسجل 2.2 مليار دولار، مقابل 3.9 مليار دولار في النصف الأول من 2025.
إلى أين يتجه الطلب؟
من جانبه، أشار ميلاد إلى أن أسعار الذهب العالمية لا تزال تتحرك فوق مستويات الدعم الرئيسية، بعدما حافظت على استقرارها ولم تكسر حاجز 4 آلاف دولار للأونصة.
وقال ميلاد إن استمرار هذا الاستقرار، إلى جانب أي هدوء في التوترات الجيوسياسية، قد يمهد لعودة الأسعار إلى الارتفاع مجدداً خلال الفترة المقبلة.
وأوضح أن مستقبل أسعار الذهب سيظل مرتبطاً بثلاثة عوامل رئيسية، تشمل توجهات السياسة النقدية الأميركية، وتطورات الأوضاع الجيوسياسية العالمية، وحركة سعر الدولار، مشيراً إلى أنه في حال استقرت هذه العوامل، فمن الممكن أن تعود أسعار الذهب العالمية إلى مستويات تقارب 5 آلاف دولار للأونصة.
وأضاف أن انعكاس هذا السيناريو على السوق المحلية سيعتمد أيضاً على استقرار سعر صرف الدولار، متوقعاً أن يتجاوز سعر غرام الذهب عيار 21 في هذه الحالة مستوى 7 آلاف جنيه بنهاية العام.
واعتبر أن حركة الأسعار صعوداً من مستوى 6 آلاف إلى 7 آلاف جنيه ستكون في حد ذاتها محفزاً لنشاط السوق وزيادة معدلات الطلب خلال النصف الثاني من العام.
واتفق معه إمبابي، الذي قال إن مستقبل الذهب سيظل مرتبطاً بتطورات السياسة النقدية الأميركية، موضحاً أن خفض أسعار الفائدة يدعم المعدن الأصفر، بينما يؤدي رفعها إلى زيادة جاذبية الدولار وأدوات الدين، بما يضغط على أسعار الذهب.
المصدر: العربية – اقتصاد