فرنسا بين عصرين من الاحتجاج
رجوع
ما يعرفه ريفو عن الخبر
- تختلف احتجاجات الطلاب الحالية عن ثورة عام 1968 في غياب نسق عقائدي متكامل لدى المحتجين الحاليين مقابل الماركسية التي سادت سابقاً.
- اتسمت احتجاجات 1968 بمواجهة السلطة الأبوية وحرب فيتنام، بينما تركزت الاحتجاجات الحالية على قضايا العدالة ورفض سياسات إسرائيل في غزة.
- واجه الطلاب حالياً لوبي داعم لإسرائيل متحالف مع اليمين المتطرف، بينما لم يكن المهاجرون مشاركين في احتجاجات الستينيات بسبب محدودية أعدادهم.
- أدت احتجاجات 1968 إلى تغييرات في بنية النظام الاجتماعي والسياسي، بينما تهدف الاحتجاجات الحالية لنقد بنية النظام الرأسمالي واليمين المتطرف.
ما عرف بثورة الطلاب في فرنسا عام 1968 مختلف عما أشعله تلاميذ المدارس الثانوية مؤخرًا في عدد من المدن الفرنسية، حتى لو كان الصوت الاحتجاجي هو السائد، وحتى لو كان الاشتباك مع الشرطة هو المشهد المتكرر في الحدثين، إلا إن هناك فروقات جوهرية بينهما، وفي تأثيرهما على النظام السياسي.
والحقيقة أن ما عرف بثورة الطلاب في ستينيات القرن الماضي اتسم بصفات تختلف عما شهدناه في هذا القرن، ففي الحالة الأولى كان هناك نسق عقائدي متكامل يفسر العالم من “الإبرة إلى الصاروخ” تمثل في الماركسية التي ارتدت ثياب متعددة كاللينينية والتروتسكية والماوية وجميعها مثلت بديلًا معرفيًا وسياسيًا متكاملًا للنظام الرأسمالي القائم، أما الاحتجاجات الحالية فإن طلابها وشبابها الذين أطلقوها لا يحملون نسقا عقائديا متكاملا، ويدافعون عن قضايا بعينها وليس أنساقا معرفية وأيديولوجية متكاملة.
بالمقابل، فإن كلا التحركين لم يسقطا النظام ولم يغيرا الرئيس، وهو مفهوم في النظم الديمقراطية التي تحكمها مؤسسات ودولة قانون، فقد تغير الاحتجاجات سياسات أو تسقط وزير أو حكومة، ولكنها لا تسقط نظاما الذي يغيره الشعب عبر صناديق الاقتراع.
والحقيقة أن احتجاجات الطلاب في المرحلتين حركتهما أيضًا قضايا خارجية، ففي الأولى كانت حرب فيتنام وقود لاشتعال ثورة الطلاب في فرنسا وأمريكا وكثير من دول العالم، وخرجت مظاهرات عارمة ضد السلطة الأبوية وهيمنة الجنرال ديجول على النظام السياسي في الداخل، وضد حرب فيتنام في الخارج أو ما سمي بحروب “الإمبريالية”، وفق التعبيرات اليسارية الرائجة في ذلك الوقت.
وقد أدت هذه الاحتجاجات إلى تغيير تدريجي في بنية النظام السياسي والاجتماعي القائم وظهر جيل جديد في الحياة السياسية والمهنية فرض نمطا من العلاقات الاجتماعية والأسرية، اختلف عما كان قبل ثورة 1968 حتى لو لم يحكم بشكل مباشر، أما الاحتجاجات الحالية فدافعت عن منظومة قيم تضع العدالة في صدارتها، خاصة بعد أن روعها مشاهد الجرائم التي ارتكبتها الحكومة الإسرائيلية في غزة، وأصبح هناك جيل جديد يشاهد عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالصوت والصورة مشاهد يومية لهذه المجازر.
ومع ذلك، سيظل هناك فارق أساسي بين احتجاجات 1968 والاحتجاجات الحالية، ففي الحالة الثانية واجه الطلاب اللوبي الداعم لإسرائيل، والذي شوه المظاهرات متحالفًا مع اليمين المتطرف، واختزلها في حوادث عنف وتخريب متناثرة، وألصقها بالمهاجرين العرب والأفارقة، وهو ما لم يكن مطروحًا في 1968 حيث كانت أعداد المهاجرين محدودة ولم ير أحد فرنسيين من أصول مهاجرة يشارك في هذه الاحتجاجات على عكس أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين الأجانب، الذين شاركوا بحماس في احتجاجات الشهر الماضي جنبًا إلى جنب مع الفرنسيين “البيض”، وبحسب نسبتهم تقريبا.
أثرت احتجاجات 1968 في معادلات الحكم والسياسة وظهر جيل جديد من السياسيين خرج من ثورة الطلاب، وانتقل من التنظيمات الثورية إلى الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والتيارات الإصلاحية التي حكمت فرنسا.
والحقيقة أن الميزة الأكبر في المنظومة الليبرالية الغربية تكمن في أن النظام السياسي، الذي شيدته قادر على دمج جانب من الأفكار الاحتجاجية داخل ثناياه بصورة تساعد حامليها على الانتقال من حالة الأحلام الثورية، والأعمال الاحتجاجية إلى بناء تيارات سياسية تحمل برامج إصلاحية تُعدل في المنظومة السائدة، دون أن تسقطها أو بالأحرى من شبه المستحيل أن تسقطها لأنها نظم ديمقراطية قد يصيبها “عطب ما”، ولكنها قادرة على إصلاح نفسها وتجديد نخبتها.
لقد حولت النظم الليبرالية في أوروبا كثيرًا من الجماعات الثورية اليسارية إلى أحزاب إصلاحية ديمقراطية اجتماعية، ودمجت أحزاب الخضر، التي كانت في بدايتها تعمل على إسقاط النظم الرأسمالية المعادية للبيئة، في منظومتها الليبرالية، وأصبحت أحزاب شرعية مؤثرة في مختلف البرلمانات الأوروبية.
إن مرونة وكفاءة النظام السياسي الفرنسي جعلته قادرًا على الاستجابة للأفكار الجديدة وتحويلها من حالة رفض واحتجاج إلى جزء من معادلات الإصلاح والحكم، وأن دمج الخطاب الجديد حتى لو كان احتجاجيا حدث في الستينيات، وسيتكرر مرة أخرى في الوقت الحالي مع السردية الجديدة المتمثلة في رفض السياسات الاقتصادية “النيو ليبرالية” ودعم العدالة والقانون ورفض سياسات دولة مثل إسرائيل ظلت فوق المحاسبة وفوق القانون.
سيظل الفارق بين ثورة الطلاب في 1968 واحتجاجات الطلاب في 2026 هو فارق في السياق التاريخي والنسق المعرفي الذي نهل منه المحتجون، فالعالم الذي كان لا يزال يؤمن جانب منه بالاشتراكية السوفيتية أوالماوية، أو يؤمن بعض شبابه المحتج بالثورة الدائمة كما كتب تروتسكي، وعرفنا نسقا معرفيا متكاملا رأسماليا يحكم ونسق معرفي متكامل اشتراكي يثور عليه، أما حاليًا فهناك مطالب فئوية وسياسية وهناك نقد لبنية النظام الرأسمالي القائم، ولكن دون امتلاك نسق معرفي بديل، بل أن النقد الأكبر الذي وجهه المحتجون في المظاهرات الحالية كان لتيارات اليمين المتطرف التي ليست في الحكم، وهي مفارقة ذات دلالة لأن ثورة 68 قامت ضد منظومة السلطة القائمة أما احتجاجات 2026 فقامت بالأساس ضد منظومة اليمين المتطرف التي لا تحكم، وإن خطر أن تحكم في ربيع العام المقبل بات كبيرًا.
<p>The post فرنسا بين عصرين من الاحتجاج first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360