فلاي دبي FZ1073 دبي- تل ابيب
ما إن حطّت أزمة طائرة “فلاي دبي” أوزارها، حتى بدأت آلة القصص والروايات تونس مجالس السياسة والإعلام، متخذةً أشكالاً تتباين بين التهويل والتسييس. بدأت فصول الحكاية بوصول الركاب إلى تل ابيب، وهناك برزت مواقف ثلاث شخصيات؛ يانيف اوحيون وتسفيكا مانس وآساف رجوان، الثلاثة الذين سيطروا على مساعد الطيار.
مانس ورجوان رفضا لقاء رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ومنحه فرصة استغلال كارثتهم سياسيا، مؤكدين باقتضاب أن الجميع كانوا أبطالاً، بينما وجد يانيف حيون نفسه وحيداً في لقاء رئيس الوزراء، وبملابسة الملطخة بالدماء حكى قصته المثيرة التي طافت وسائل الإعلام، وكيف سحب المقود لتوازن الطائرة كما كان يتابع برامج الطيران في التلفاز.
ولم تقتصر الروايات على الداخل الاسرائيلي والذي شرح بعض إعلامه عن خلفية مساعد الطيار وجزموا انه من سلطنة عمان بإسهاب وكانهم يعرفونه ويعرفون عائلته ومنشأه وتفاصيله، وبدون أي استناد لأي مصدر كان، بل امتدت لتصل إلى منصات أكبر، حتى إن الرئيس الأمريكي تطرق للقصة التي سمعها من بيبي نتانياهو ملمحاً بقوله إنه لا يعرف إذا كانت صحيحة، إشارةً لحجم المبالغات المضافة بغرض الاستهلاك السياسي واصفا مساعد الطيار اما بالارهابي او المختل عقليا.
أما ما حدث بالضبط خلف أبواب قمرة القيادة، فلا يعلمه سوى الصندوق الأسود واثنين فقط: المعتدي والمعتدى عليه، أي مساعد الطيار والطيار. كلا الرجلين يرقدان اليوم في أحد المستشفيات السعودية لتلقي العلاج، حيث تجري التحقيقات مع من تسمح حالتهم الصحية بالكلام. التحقيق يُدار بحرفية عالية وبمشاركة وتنسيق مع الأطراف المعنية، ورغم محاولات التدخل الإسرائيلي، إلا أن الأطر القانونية وقفت دون ذلك، على أن يتم إطلاع الجانب الإسرائيلي من قبل السلطات الاماراتية على كافة التفاصيل فور انتهائها.
وسط هذه الفوضى والسيطرة على الوضع داخل الطائرة، برز دور الطاقم الإضافي الذي كان على متنها؛ إذ استدعت الضرورة أن يتولى الطيار الإضافي التابع لشركة “فلاي دبي” زمام الأمور، ليقوم بتحويل مسار الطائرة والهبوط بها بسلام في مطار تبوك القريب من مكان الحادث، والذي سارع لتلبية نداء الاستغاثة والاستعداد التام لاستقبالها، وتكفلت الشركة بإرسال طائرة أخرى نقلت الركاب لاحقاً لتصل بهم إلى وجهتهم الأصلية في تل أبيب.
خلال فترة تواجد الركاب والطائرة في تبوك السعودية، سعت إسرائيل لفرض رواية الإنقاذ محاولةً إرسال طائرات إجلاء تحت عنوان التدخل السريع، بيد أن الموقف الحازم للملكة العربية السعودية رفض ذلك قطعياً؛ فالطائرة لم تكن مخطوفة أو محتجزة، بل هبطت في رحلة استجابة طارئة تلقى ركابها خلالها كامل الرعاية الطبية والضيافة.
حتى تتكشف غيوم التحقيقات رسمياً، ستستمر قصص ألف ليلة وليلة في التدفق؛ فهناك من سيحاول استغلال الحادثة لتضخيمها واعتبارها مؤامرة لضرب المنطقة، وهناك من سيوظفها لخدمة مصالح ضيقة. لكن يبقى الدور البطولي للطيار الذي استبسل – رغم إصابته البليغة – في إرسال نداء الاستغاثة وفتح باب القمرة، جنباً إلى جنب مع شجاعة بعض الركاب والطاقم الإضافي، وهذا كان العامل الحاسم الذي أنقذ نحو مئة وثمانين إنساناً من كارثة محققة لا نعرف كيف كانت ستكون تداعياتها.
ننتظر نتائج التحقيقات، واثقين تماماً بقدرة الجهات المختصة على إنارة الحقيقة دون مواربة.
ومما لا شك فيه ان البروتوكول الامني للطيران بين اسرائيل والإمارات سيمر بمراجعة شاملة لا تتعلق بالمسافرين والركاب فحسب، بل بالطواقم وموظفي الطيران، كما ان توظيف الطيارين والطواقم سيكون محط فحص ومسح أمنى مجدد في شركات الطيران حول العالم.
المصدر: العربية – سياسة


