قاع الهامور وهجرة السياسة تحت الماء
«حين يُغلَق المنفذ الذي كان يصرف فيه المجتمع تدافعه وتنازعه، لا تختفي الطاقة السياسية، بل تبحث عن قاعٍ جديد تسكنه»
في غضون أيام معدودة، هجر ملايين المصريين أسماءهم وصورهم الحقيقية على منصات التواصل، وارتدوا جماعياً هوية سكان مدينة خيالية تحت الماء، استعاروها من مسلسل رسوم متحركة عُرض قبل عقدين.
لم يكن ذلك مزاحاً عابراً ولا موضة رقمية، تُستهلك وتُنسى؛ فقد تحولت «بيكيني بوتوم» في لحظات إلى مدينة موازية لها سكانها وشكاواها وإعلاناتها ومشكلاتها العاطفية والمعيشية، بينما ظل صندوق الاقتراع ومقر الحزب وقاعة النقابة، أي الأمكنة التي تعلمنا أن نبحث فيها عن السياسة، شبه خاوية من أي إقبال يقارب هذا الزخم.
من يكتفي بوضع الظاهرة في خانة الفكاهة العابرة يقع في عمى سوسيولوجي مزدوج: فهو أولاً يخطئ حجم الظاهرة، وهو ثانياً، وهذا هو الأخطر، يخطئ موضعها؛ إذ يفترض ضمناً أن السياسة غابت، بينما الحقيقة أن السياسة انتقلت.
هذا هو بالضبط المدخل الذي نقترحه لفهم اللحظة المصرية والعربية الراهنة؛ وهي أن السياسة لم تمت، بل تبدّلت موضعاً ومادة وفاعلاً، هاربة من عروشها المؤسسية القديمة نحو أوعية جديدة هي الهوية وسياسة المُعاش والوجدان والجسد… إلى آخره. وما يجعل «قاع الهامور» حالة كاشفة بامتياز، أنها لا تمثل مجرد مثال إضافي على هذه الأطروحة، بل تُظهر آليتها الداخلية بوضوح نادر: كيف تُنتَزع سلطة تعريف «ما هو سياسي» من المؤسسة، وتُعاد صياغتها في شبكة لا مركز لها، ولا قيادة تقودها، حيث يتقرر ما يُقال وما يُسكت عنه، ومن يُسمع ومن لا صوت له، عبر لغة الكرتون والسخرية، بدلاً من لغة البيان والمطلب والخطابات.
والحجة التي يقترحها هذا المقال أن قراءة «قاع الهامور»، باعتبارها مجرد صمام أمان نفسي، أو بوصفها بالمقابل، مقاومة رمزية خالصة، قراءتان منقوصتان على حد سواء، لأنهما تتعاملان مع الظاهرة كأثر لاحق على أزمة سابقة، بينما هي فعل تأسيسي بذاته يعيد فيه المجتمع وهو يمارسه، صياغة السؤال الأخطر في كل سياسة: من يقرر أن هذا الأمر شأن عام يستحق أن يُتنازع عليه، ومن يحكم عليه سلفاً بأنه مجرد نكتة رقمية عابرة لا تستحق الالتفات.
من «غياب السياسة» إلى هجرتها عندما يفشل المحلل في تعقّب أثر السياسة، فإن أول ما يفعله عادة هو أن يعلن غيابها، وهذا خطأ منهجي شائع يخلط بين انحسار الشكل المؤسسي للسياسة وبين انحسار السياسي بما هو طاقة تأسيسية للاجتماع البشري.
فحين يتحدث ملايين المصريين عن «رواتب سلطع برجر» و«الخصومات التعسفية» و«الترقيات الوهمية» عبر شخصيات مستعارة من الكرتون، فهم لا يهربون من الحديث عن علاقات العمل المشوهة والأجور المتآكلة، بل يعيدون إنتاج هذا الحديث بلغة أقل كلفة وأكثر أماناً.
المضمون سياسي بامتياز، وما تغير هو الشكل الذي يُصاغ فيه، والموضع الذي يُقال فيه، والفاعل الذي يقوله.
وهذا بالضبط ما تعنيه «الهجرة» في مقابل «الغياب»؛ أي انتقال الوظيفة السياسية من عنوان مؤسسي معلوم إلى وجهة أقل وضوحاً وأكثر مراوغة، لا اختفاؤها.
غير أن هذه الهجرة ليست محايدة القيمة، ولا ينبغي الاحتفاء بها بوصفها انتصاراً تلقائياً للمخيلة الشعبية على القمع.
تصبح السخرية من «مستر سلطع» هي الشكل الوحيد المتاح للتعبير عن الاستغلال، بدلاً من مطالبة نقابية أو احتجاج علني، وهذا يكشف في الوقت نفسه عن مدى ما تعرض له المنفذ المباشر للسياسة من إغلاق.
السخرية هنا حرية مكتسبة، كما هي أيضاً أثر لحرمانٍ سابق منها؛ إنها اللغة التي يتكلم بها من سُدّت في وجهه اللغات الأخرى.
المكان الخاوي والمكان المهجور، يفيدنا هنا تمييز كلود لوفور، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي البارز، بين الديمقراطية بوصفها نظاماً يجعل مكان السلطة فارغاً على الدوام، خواءً مثمراً يبقيه التنافس المستمر مفتوحاً، وبين حالة أخرى مختلفة تماماً في ظاهرها المتشابه؛ خواء ينتج عن هجران المكان لا عن حراسته. حين نطبق هذا التمييز على المشهد المصري، نجد أن العرش القديم للسياسة المنظمة، أي الحزب والبرلمان والنقابة، يبدو فعلاً خاوياً من الإقبال الشعبي الحقيقي، لكنه خواء من النوع الثاني لا الأول: لا أحد يتنافس على شغل هذا المكان لأن أحداً لم يعد يثق بأن شغله يفضي إلى أثر، فتُهجر المؤسسة، وتتسرب وظيفتها إلى مكان آخر لا يشبهها في شيء.
واللافت أن «قاع الهامور» يعيد إنتاج بنية سلطوية موازية أثناء هروبه منها؛ فمستر سلطع يظل رأسمالياً جشعاً، وشفيق يظل موظفاً مقهوراً، وسبونج بوب يظل عاملاً ساذجاً يستبطن قمعه ويجعله فضيلة.
لم تُلغَ التراتبية إذن، بل أُعيد تمثيلها في مسرح آمن يمكن فيه للفرد أن يسخر من سلطة تحكمه في الواقع دون أن يواجهها مباشرة.
هذا ما يمكن تسميته إعادة توطين الصراع الطبقي في مكان يخلو من العاقبة؛ فالمكان الجديد يمنح راحة نفسية حقيقية، لكنه لا يمنح المُشتكي أي قدرة إلزامية على من يشتكي منه، وهنا يكمن جوهر المفارقة التي تحكم أزمة السياسة في العالم كله، وليس في منطقتنا فقط: حضور كثيف للمضمون السياسي، وعجز بنيوي عن تحويله إلى نتيجة تدوم أو سياسة تُطبق.
عندما يصير الاقتصاد «تقنياً» والكرتون «سياسياً» يذهب جاك رانسيير، المنظر السياسي الفرنسي، إلى أن السياسة لا تقوم إلا حين يتحول صوت من لا نصيب أو حصة لهم في التوزيع العادل، لما يُرى ويُسمع ويُحسب كلاماً، بينما يسمي الترتيب القائم قبل هذا التحول «البوليس»، وهو عنده ليس جهاز الأمن، بل نظاماً أعم يحدد سلفاً من له صوت مسموع ومن صوته مجرد ضجيج أو لا صوت له على الإطلاق.
ما يفعله الاقتصاد السياسي النيو ليبرالي في السياق المصري والعربي هو بالضبط عملية توزيع من هذا النوع، فهو يُخرج مسألة الأجور والإيجار وتكلفة المعيشة، وهي مسائل سياسية بامتياز لأنها مسائل تتعلق بالتوزيع، من دائرة التفاوض العلني إلى منطقة «الطبيعي» و«التقني» الذي لا يُتفاوض عليه ويتحكم فيه التكنوقراط، فيصبح غلاء الأسعار قدراً اقتصادياً محايداً أو نتائج أملتها الاضطرابات الجيو سياسية من حولنا، أو اعتبارات الإصلاح، لا قراراً سياسياً قابلاً للمساءلة.
والمفارقة أن الفضاء نفسه الذي يُخرَج منه الاقتصاد من دائرة التسييس، هو الفضاء الذي يُعاد فيه تسييس الكرتون. تُغلق أبواب المحسوس السياسي الرسمي، ينزح المعنى إلى حيث لا تزال أبوابه مفتوحة: حيث يصبح الحديث عن «شكاوى أهالي قاع الهامور» هو الشكل المتاح لإعادة إدخال مسألة التوزيع إلى حقل المرئي والمسموع، ولو بلغة مواربة لا تجرؤ على تسمية نفسها سياسة.
وهنا تتضح الدعوى المركزية لهذا المقال، وهي أن ما يُعاد توزيعه في العمق ليس فقط من يتكلم، بل من يملك أصلاً سلطة القول بأن هذا الكلام سياسي.
هجرة الطاقة إلى الوجدان تضيف شانتال موف- أستاذة النظرية السياسية-، إلى هذا المشهد بُعداً تفسيرياً أساسياً بتمييزها بين بُعد الصراع والتنازع الملازم لكل اجتماع بشري، وهو لا يُلغى مهما حاولنا كبته، وبين المؤسسات التي يُفترض أن تنظّم التعايش مع هذا الصراع وتحوّله من خصومة استئصالية إلى تنافس مشروع. وعندما يُسدّ المنفذ المؤسسي لهذا التنافس، بفعل قمع سلطوي مباشر من جهة، وبفعل نزع الصفة السياسية عن الاقتصاد من جهة أخرى، فإن طاقة الصراع لا تتبخر، بل تهاجر إلى ما تبقى مفتوحاً أمامها: الهوية والوجدان وسياسات المُعاش اليومي.
«قاع الهامور» وجهة نموذجية لهذه الهجرة. فهو يمنح الأفراد المعزولين شعوراً فورياً بالانتماء المشترك، دون أن يفرض عليهم كلفة اجتماعية أو التزاماً تنظيمياً دائماً؛ انتماء جاهز للاستخدام اللحظي، يُستهلك ويُغادَر دون أن يترك أثراً تنظيمياً مستمراً.
وهو أيضاً ممارسة لما يمكن تسميته نوستالجيا دفاعية، إذ يستدعي جيل كامل عالم طفولته بوصفه ملاذاً من عبء المسؤوليات الثقيلة، في محاولة لحماية إحساسه بتماسك هويته أمام واقع يزداد قسوة واضطراباً.
غير أن هذا الوجدان الجمعي، مهما بلغت كثافته، يظل بلا عاقبة مؤسية، لأنه لا يتجه نحو مؤسسة تُلزم أحداً بشيء، بل يستهلك نفسه في اللحظة نفسها التي يُنتَج فيها.
لماذا لا يتحول الحشد إلى أثر؟
تفيدنا الفيلسوفة حنة أرندت في فهم سبب هذا التبخر حين تصف السلطة بأنها ليست شيئاً يُمتلك ويُخزَّن، بل قوة تنشأ بين الناس وهم يفعلون معاً في «فضاء ظهور»، وتتلاشى في اللحظة التي يتفرقون فيها ما لم تتجسد في مؤسسة تُبقيها حية.
والفضاء الرقمي، بهذا المعنى، يولّد فضاء ظهور هائل السرعة والكثافة؛ ملايين ينضمون في أيام، ويضحكون معاً، ويشعرون بأنهم يُرى بعضهم بعضاً في نكتة مشتركة.
لكن هذا الفضاء بلا جدران مؤسسية تحفظ ما يتولد فيه من طاقة، فتتبخر بالسرعة نفسها التي تجمعت بها، تماماً كما أعلنت المجموعة تعليق نشاطها بعد أيام قليلة من ذروتها.
وتضيف عدوى الميمز بُعداً آخر لهذا التبخر السريع؛ فالصورة المقتطعة والتعبير البصري المكثف يختصران مشاعر الإحباط والسخرية بأقل جهد لغوي ممكن، وهو ما يسرّع الانتشار لكنه يُفقِر المضمون في الوقت نفسه، إذ يتحول الاحتقان الاجتماعي إلى سلعة رقمية تُغذي اقتصاد الانتباه العالمي الذي تنشئه المنصات بقدر ما تُفَرّغ عن صاحبها ضغطاً آنياً.
وهنا تنغلق الحلقة على نفسها: يظن المستخدم أنه يفلت من رأسماليته المحلية بالهروب إلى القاع، بينما هو ينخرط بكليته في رأسمالية أخرى أشد خفاءً، هي رأسمالية المنصة التي تحوّل تمرده الرمزي ذاته إلى مادة تربح منها.
القاع بوصفه مختبرا، ثمة إغراء شائع في قراءة هذه الظواهر يتمثل في افتراض أن أعضاء هذا المجتمع الافتراضي كتلة متجانسة يجمعها ضيق العيش وحده، وهو افتراض لا تسنده بيانات موثوقة، ولا تحتاجه الحجة أصلاً.
فالأدق أن ننظر إلى «قاع الهامور» بوصفه مختبراً اجتماعياً لا مرآة بسيطة لطبقة بعينها؛ ذلك أن المحتوى الذي أنتجه يضم في آن شكوى من الإيجار وحديثاً عن الدروس الخصوصية وتعليقات على المطاعم والاستهلاك، أي أن تجارب متفاوتة طبقياً تتجاور فيه دون أن تتمازج بالضرورة، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة أدق لكيفية ظهور التفاوت في اللغة والموضوعات، لا في الدخل المفترَض لكل مشارك.
والمهم هنا سياسياً أن هذا التجاور نفسه هو ما يمنح القاع قدرته على انتزاع إنتاج المعنى من احتكار النخبة والسلطة معاً؛ فحين يتقاسم موظف بيروقراطي محبط وتاجر ومهني من الطبقة الوسطى المتآكلة اللغة الساخرة نفسها، فإنهم يعيدون، دون تخطيط مسبق، رسم خريطة من يُحسب متضرراً من الاقتصاد ومن لا يُحسب؛ وهذه بالضبط هي وظيفة توزيع المحسوس التي تحدثنا عنها آنفاً، لكنها هنا تُمارَس من القاع لا من الأعلى، وإن ظلت عاجزة عن تحويل هذا الرسم الجديد لخريطة الضرر إلى مطلب موحد يُقدَّم إلى أي جهة تملك سلطة الاستجابة.
من يملك تعريف السياسة؟
لا تكمن أهمية «قاع الهامور» إذن في كونها ظاهرة طريفة تستحق التوثيق، بل باعتبارها وثيقة تكشف بجلاء نادر آلية هجرة السياسة أو انتقالها: من مؤسسات خاوية لا لأن الصراعات انتهت بل لأنه هُجر منها، واقتصاد يُنزع عنه الطابع السياسي فيُحال شأناً تقنياً لا يقبل التفاوض، وطاقة تنازع وصراع لا تموت بل تهاجر إلى الهوية والوجدان والجسد، وفضاء رقمي يمنح هذه الهجرة سرعة ومساحة، لكنه لا يمنحها مؤسسة تحفظها. والنتيجة مفارقة تحكم اللحظة العربية والمصرية بل والعالمية الراهنة بأسرها: سياسة حاضرة بكثافة نادرة كانفعال وهوية ومُعاش، وعاجزة في الوقت نفسه بنيوياً عن أن تتحول إلى قدرة إلزامية تُنتج نتيجة تدوم.
والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بجدية ليس إذن: هل سيعود المصريون إلى الحديث عن غلاء الأسعار بلغة مباشرة؟ بل: من يملك في غياب المؤسسة، سلطة تقرير أن شكوى «أهل قاع الهامور» من الإيجار هي فعل سياسي يستحق أن يُحسب، لا مجرد نكتة تُستهلك وتُنسى؟ فما دامت هذه السلطة نفسها مسرَّبة إلى شبكة بلا مركز يملك أن يحسمها، فسيظل «القاع» يمتلئ ويُهجر، ويُملأ من جديد بمخيلة جديدة، دون أن يتحول الغضب المكثف فيه إلى ما يشبه الوارث المؤسسي الذي يحوّل الشكوى إلى مطلب، والمطلب إلى نتيجة.
ولعل أدق ما يمكن أن يُقال في نهاية المطاف: إن «قاع الهامور» ليس استثناءً مصرياً معزولاً، بل نسخة محلية من مصير أوسع يشمل معظم الساحات العربية والدولية التي أُغلقت فيها القنوات المباشرة للتنازع والصراع.
ومع هذا الإغلاق تأخذ الطاقة السياسية تارة شكل الهوية الدينية، وتارة شكل الحَمية الرقمية العابرة للحدود إزاء قضية أخلاقية كبرى كغزة، وتارة، كما هنا، شكل مدينة كرتونية يتقاسم سكانها الضحك بدل الفعل السياسي.
والقاسم المشترك بين هذه الأشكال جميعاً أن كل واحد منها يعيد طرح السؤال نفسه من زاوية مختلفة: من الذي يملك أن يقول، في النهاية، إن هذا شأن سياسي وذاك ليس كذلك؟
وما دام ظل الجواب عن هذا السؤال معلّقاً بلا حسم مؤسسي، فسيظل كل قاع نبني فيه ملاذنا اللحظي عُرضة لأن يتحول بين ليلة وضحاها إلى ساحة يُعاد فيها اختبار حدود ما هو مسموح أن يُقال، لا لأن أحداً قرر ذلك، بل لأن سلطة القرار نفسها لم تعد تستقر في مكان واحد يمكن مساءلته.
<p>The post قاع الهامور وهجرة السياسة تحت الماء first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360