قانون الأمان البيولوجي نموذج للتوسع التشريعي
وافق مجلس النواب على مشروع كالعادة، مقدم من الحكومة، تحت مسمى قانون تنظيم الأمن والأمان البيولوجي، وعلى الرغم من أهمية هذا القانون، إلا أنه لم ينل ما يكفيه أو يتناسب مع قيمته وأهميته من العرض المجتمعي أو النقاش على مستوى أوسع، وكأن مجلس النواب قد أحاطه بسرية، حتى لا تتسرب نصوصه، فقد تتعرض للنقد من قبل المتخصصين، وهو الأمر الذي يتعارض مع قواعد الشفافية المجتمعية، والتي يجب أن تسود كل ما يتعرض له مجلس النواب من أعمال تشريعية أو رقابية، بحسبه لا يمثل ذاته، وإنما هو وكيل عن جمهور الناخبين، وهم المواطنون المصريون المعنيون بكل ما يصدر من مجلس النواب.
وبحسب ما تم تداوله من خلال المواقع الإخبارية حول هذا القانون، أنه يهدف إلى إنشاء نظام وطني للأمان البيولوجي، وتنظيم تداول وحيازة المواد البيولوجية والسموم، ووضع ضوابط لترخيص المنشآت وآليات الرقابة عليها، وكذلك تنظيم العقوبات اللازمة لمخالفة نصوصه، وقد ألزم القانون المنشآت القائمة بتوفيق أوضاعها القانونية خلال عام من تاريخ صدور اللائحة التنفيذية، وإذ إن القانون ذاته لم يتم نشره بعد في الجريدة الرسمية، فإن اللائحة التنفيذية لم تصدر بعد.
وقد أتى النص على المواد العقابية في هذا القانون، وبحسب ما هو منشور من خلال موقع صدى البلد، في الفصل الرابع منه، وذلك بداية من نص المادة 46 منه، والتي تنص على معاقبة كل من يفشي أو يمد غير الجهات المختصة بمعلومات أو وثائق سرية، تتعلق بالأمن والأمان البيولوجي بالسجن المشدد لمدة لا تقل عن خمس سنوات، إذا كان ذلك بقصد الإضرار بالأمن القومي. وتنص المادة 47 على معاقبة كل من يستورد أو يدخل عوامل ميكروبية إلى مصر، أو يتخلص منها داخل الأراضي المصرية أو البحر الإقليمي دون موافقة مجلس الإدارة بالسجن وغرامة تتراوح بين 5 و10 ملايين جنيه، مع إلزامه بإعادة تصدير المواد المضبوطة على نفقته الخاصة. كما أتى النص في المادة 48 بعقوبة السجن المشدد وغرامة لا تقل عن 5 ملايين جنيه، ولا تتجاوز 50 مليون جنيه لكل من يقيم منشأة دون ترخيص، مع غلق المنشأة المخالفة. وكذلك عاقبت المادة 49 بالسجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات وغرامة من 10 إلى 50 مليون جنيه كل من استورد أجهزة أو معدات مخصصة للأبحاث البيولوجية، دون الحصول على موافقة المركز المختص. كما جاء النص في المادة 50 على عقوبات بالسجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات وغرامات تتراوح بين 5 و20 مليون جنيه لكل من يخالف عددا من المواد المنظمة للنشاط البيولوجي. ذلك إضافة إلى المواد العقابية الأخرى، التي تعاقب على العديد من المخالفات الإجرائية أو الإدارية.
وإذا كان الهدف العام من هذا القانون هو وجود إطار قانوني لضبط عمل المختبرات والمراكز البحثية والمعامل، التي تتعامل مع المواد البيولوجية ومسببات الأمراض، لضمان عدم تسريبها أو استخدامها بما يضر الأمن القومي، إلا أنه لم يأخذ أي نوع من العرض على المختصين أو أصحاب المصلحة أو الجهات ذات الصلة، وما يؤكد ذلك، أنه حتى بعد أن تمت موافقة مجلس النواب عليه، إلا أنه ليس متاحًا بشكل كامل، وهو ما يعني انعدام الشراكة المجتمعية منذ اللحظة الأولى لعرض هذا القانون، كما أنه لم يأخذ كفايته من الدراسة والتمحيص من خلال اللجان البرلمانية المعنية، وكذلك العرض أو التغطية الإعلامية، وهو نفس الأمر الذي حدث مع تعديلات قانون تنظيم الأنشطة الإشعاعية والنووية، فعلى الرغم من خطورة القانونين على كافة الأصعدة المجتمعية، إلا أنهما لم يحصلا على أي نقاش مجتمعي حقيقي، أو ما يعادله من تطور تقني من خلال المختصين أو من خلال القنوات والسبل الإعلامية.
إلا أنه وبحسب المتاح من النصوص، فإن البنية العقابية لهذا القانون تدور من خلال أفق المشرع المصري التقليدية، والمؤسسة بشكل كامل على التوسع العقابي أو الغلو في العقوبات والشدة في الغرامات المالية، وهو الأمر الذي قد يصطدم بشكل أساسي مع مبدأ التناسب بين الجريمة والعقاب، إضافة إلى اعتماده بشكل رئيسي على الصياغات المفتوحة و العبارات الفضفاضة، مثل “تهديد الأمن العام “أو” مخالفة السلم المجتمعي”، ذلك دونما تحديد معياري منضبط للفعل المادي للجريمة، وهو ما يتعارض مع اليقين التشريعي، حيث أن مبدأ الشرعية الجنائية يقتضي أن تكون الجريمة محددة بصورة دقيقة، تمكن الشخص المخاطب بأحكام هذا القانون من معرفة ما هو مجَرم وما هو مباح من الأفعال، ذلك إضافة إلى الازدواجية في العقاب، حيث تجمع نصوص القانون بين الجزاء الإداري والعقاب الجنائي عن ذات المخالفة الواحدة.
وبعد أن تعرضنا إلى بعض نصوص هذا القانون، بحسب ما هو متاح، إلا أن الأمر لا يختلف عن غيره من المسار التشريعي المصري منذ فترات قد طالت، حيث أهم ما يؤخذ على التنظيم التشريعي، هو التعتيم أو التغييب المجتمعي المتعمد عن القوانين، إذ كيف يتم تمرير قانون يحمل كل هذه التناقضات التشريعية، علاوة على كونه من الأمور ذات القدر الهام في الشارع المصري، دونما أي عرض على أهل الحل والعقد، أو حتى عرض من خلال القنوات الإعلامية لمكونات ذلك القانون، فلربما كانت هناك وجهة نظر تحمل بين طياتها ما يصلح حال القانون، أو يجعله أكثر نفعًا، وهو ما يعد نموذجًا للفرض التشريعي الفوقي، بما يؤكد استحواذ كامل من السلطة التنفيذية على أهم سلطات السلطة التشريعية، متمثلًا في أنها باتت صاحبة النصيب الأعظم من مشروعات القوانين، والتي توقف دور مجلس النواب عند حد التمرير والموافقة.
فهل سيتحمل المجتمع المصري تبعات مجلس نواب سلم طواعية اختصاصاته، أو جلها إلى السلطة التنفيذية، وبات لدى النظام المصري نموذجًا فريدًا من نماذج السلطات السياسية، وهو المزج بين السلطة التنفيذية والتشريعية، وجعلهما بمثابة حقيبة واحدة تقودها السلطة التنفيذية، وتتبعها في أوامرها السلطة النيابية، بما يعني غياب أهم الاستحقاقات الانتخابية، والتي تعبر عن النسق الديمقراطية في أن تكون السلطة التشريعية، بحسبها رقيبة على أعمال السلطة التنفيذية، ممثلة لإرادة الشعب الناخب، وهو ما يعبر عنه في صورة الوكالة الانتخابية، بما يعني أن يكون الوكيل المنتخب ممثلًا لمصلحة الأصيل الناخب، وليس تابعًا لإرادة ورغبة الحكومة.
<p>The post قانون الأمان البيولوجي نموذج للتوسع التشريعي first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360