قراءة في التأثيرات الجيوسياسية
يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة تتسم بإعادة تشكيل موازين القوة وتشير الأمم المتحدة بتقاريرها الأخيرة نمواً يبلغ 2.7% خلال عام 2026 مقارنة ب2.8% في عام 2025، وهو مستوى أدنى من متوسط النمو العالمي قبل جائحة كورونا، الذي كان يدور حول 3.2% ورغم أن هذه المؤشرات تعكس تباطؤاً نسبياً في الاقتصاد الدولي، وتشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن الاقتصاد العالمي سيشهد تباطؤاً في نمو التجارة خلال عام 2026 نتيجة استمرار التوترات التجارية بين بعض القوى الاقتصادية الكبرى وارتفاع تكاليف الشحن والنقل وسلاسل الإمداد، وهذا التباطؤ قد يؤثر في حركة الاستثمار والتبادل التجاري في العديد من دول العالم خاصة الاقتصادات التي تعتمد على التجارة الخارجية في تحقيق النمو وتوفير فرص العمل، وفي الوقت نفسه ورغم تراجع معدل التضخم العالمي من 3.4% إلى 3.1%، فإن ذلك لا يعني انخفاض الأسعار، بل يعني أن الأسعار ستواصل الارتفاع ولكن بوتيرة أبطأ من السابق لذلك ما زالت تكاليف المعيشة بما في ذلك الغذاء والطاقة والإيجارات والخدمات الأساسية تشكل تحدياً للعديد من الأسر حول العالم، فإن هذه المتغيرات تؤكد أهمية تعزيز التنويع الاقتصادي والاستثمار في القطاعات الإنتاجية والتكنولوجيا والخدمات الحديثة، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحقيق نمو أكثر استدامة في المستقبل، لتفتح المجال أمام الدول التي تمتلك رؤية تنموية واضحة للاستفادة من التحولات الجارية.
هذا المشهد المتغير يبرز دول مجلس التعاون الخليجي وفي مقدمتها الكويت، باعتبارها من أكثر المناطق قدرة على التعامل مع التحديات وتحويلها إلى فرص حقيقية للنمو والاستدامة، فالتجارب الدولية تؤكد أن فترات التحول الاقتصادي الكبرى كانت دائماً نقطة انطلاق لاقتصادات نجحت في الاستثمار في المعرفة والابتكار، كما حدث في سنغافورة التي تحولت خلال عقود قليلة من اقتصاد محدود الموارد إلى أحد أهم المراكز المالية والتجارية في العالم، وكوريا الجنوبية التي انتقلت من اقتصاد نامٍ إلى قوة صناعية وتكنولوجية عالمية بفضل الاستثمار في التعليم والصناعة والتقنية.
إن نجاح السياسات الاقتصادية الخليجية في بناء قواعد نمو بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الإيرادات النفطية فقط، وفي هذا الإطار تمتلك الكويت مزايا استراتيجية مهمة تشمل موقعاً جغرافياً محورياً ممكن أن يربط العالم تجارياً، وصندوقاً سيادياً يعد من أقدم وأكبر الصناديق الاستثمارية في العالم، إضافة إلى بيئة تشريعية ومؤسسية تتطور بصورة مستمرة لمواكبة المتغيرات الاقتصادية الدولية، كما أن التوسع في قطاعات الخدمات اللوجستية والتكنولوجيا المالية والاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة يوفر فرصاً واعدة لتعزيز مساهمة القطاع الخاص، وتؤكد التجارب الدولية أن الاقتصادات التي نجحت في بناء منظومات متقدمة للابتكار كانت الأكثر قدرة على تحقيق النمو، وهو ما يظهر بوضوح في تجربة أيرلندا التي أصبحت مركزاً عالمياً للشركات التكنولوجية والاستثمارات الأجنبية، واليوم تمتلك دول الخليج المقومات ذاتها بل وربما فرصاً أكبر في ظل ما تمتلكه من موارد مالية وبنية تحتية حديثة ورؤى تنموية طويلة الأجل، ومن أبرز ما يميز المرحلة الحالية أن المنافسة الاقتصادية لم تعد تعتمد فقط على الموارد الطبيعية، بل أصبحت ترتكز بصورة متزايدة على المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على الابتكار، ويشير تقرير الأمم المتحدة إلى أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية سيكونان من أهم المحركات الاقتصادية خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي يجعل الاستثمار في التعليم والتدريب والمهارات الرقمية أولوية استراتيجية لدول المنطقة، كما أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة يفتح آفاقاً واسعة أمام دول الخليج لتوسيع دورها العالمي في مجالات الهيدروجين الأخضر والتقنيات البيئية والصناعات المستقبلية، وفي الكويت تعد مشاريع تطوير البنية التحتية وتعزيز الاقتصاد الرقمي ودعم ريادة الأعمال عناصر أساسية لبناء اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة، وبينما يواجه العالم تحديات تتعلق بارتفاع الديون وتقلبات التجارة الدولية وتسارع التغيرات التكنولوجية، فإن دول الخليج تمتلك من المرونة والقدرات المالية ما يمكنها من تحويل هذه التحديات إلى فرص نمو جديدة، ومن هنا فإن المستقبل لا يُقاس فقط بمعدلات النمو الحالية بل بقدرة الدول على الاستعداد للمستقبل وصناعة مزاياها التنافسية، ومع استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتطوير رأس المال البشري وتعزيز الشراكات الدولية، تبدو الآفاق أكثر إشراقاً ليس فقط لتحقيق النمو الاقتصادي بل لبناء نموذج تنموي متوازن ينعكس إيجاباً على جودة الحياة ورفاهية الإنسان ويمنح الأجيال القادمة مستقبلاً أكثر ازدهاراً واستقراراً وثقة.
ودُمتم سالمين،،،
نقلاً عن القبس
المصدر: العربية – سياسة



