قضية دمج إيران واستيعابها
من أكثر الجمل التي تقال حاليا بخصوص إيران، تتعلق بإمكانية استيعابها في النظام الدولي، وهل يمكن أن تصبح جزءا من النظام الدولي؟ وهناك كثيرون، اعتبروا أن مذكرة التفاهم التي وقعت بين أمريكا وإيران، تراهن على دمج الأخيرة في النظام الدولي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها، أي أن المدخل الاقتصادي متمثلا في رفع الحظر عن أموالها المجمدة، بدا وكأنه هو طريق استيعابها في النظام الدولي.
والحقيقة، أن اتفاق ٥ + ١ الذي رعاه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في ٢٠١٥ مع إيران، انطلق أساسا من الفكرة الأوربية الليبرالية القائمة على إمكانية استيعاب الدول، أو حتى التنظيمات المتشددة في المنظومة الدولية أو في النظام الديمقراطي في الداخل، عبر منظومة سياسية واقتصادية تعيد تأهيلها، وتدمجها في الشرعية القائمة.
ولأن ترامب لا يؤمن بفكره الاستيعاب والدمج، إنما بالقوة التي تطيح بالقانون والشرعية الدولية، انسحب من هذا الاتفاق في 2018، وبعدها بدأت إيران تقليص التزاماتها تجاه المنظومة الدولية، وتجاوزت الحد المسموح لمخزون اليورانيوم المخصب، ورفعت مستوى التخصيب فوق سقف 3.67% الذي التزمت به عقب “الاتفاق الملغي”، حتى وصلت إلى 20% ثم إلى أكثر من 60% في السنوات اللاحقة.
وقد شطب ترامب فكرة الدمج والاستيعاب من قاموسه، ودخل حربا مع إيران، نجح فيها في تدمير جانب من قدراتها العسكرية، ولكنه لم ينتصر عليها نصرا ساحقا، كما كان يقول واضطر أن يوقع على مذكرة تفاهم جوهرها قائم على فكرة استيعاب إيران ودمجها في النظام الدولي عن طريق المدخل الاقتصادي برفع العقوبات والحظر على أموالها، حتى يمكن للنظام الدولي دمج إيران كدولة “معارضة” من داخل قواعده وليس من خارجها.
والحقيقة، أن هذه النظرة “الإدماجية” التي حكمت تيارا غربيا في التعامل مع إيران، امتدت مع تجارب أخرى، فتم اعتماد تلك النظرة في التعامل مع النظام الجديد في سوريا، وهناك من اعتبر أنه لا حل لأزمة لبنان إلا بدمج حزب الله أو على الأقل جانب يعتد به من بيئته الداعمة في مؤسسات الدولة، في حين أصيبت تلك الرؤية بالعمى الكامل، فيما يخص حركة حماس بسبب الموقف الإسرائيلي، لأن دمج حماس في أي مسار سياسي سلمي، سيفرض استحقاقات على إسرائيل، لا زالت ترفضها وأولها إنهاء الاحتلال.
والحقيقة، أن تعبير الدمج هو تعبير علمي وسياسي، يستخدم في التعامل مع نظم أو قوى وجماعات قادمة من خارج المؤسسات والقواعد السائدة في مجتمع من المجتمعات، فأوروبا مثلا نجحت في دمج الجانب الأكبر من التنظيمات والقوى الثورية والشيوعية في النظام السياسي الليبرالي ومبادئ الديمقراطية، ودولة القانون، وحولت معظمها من تيارات راديكالية تستهدف إسقاط النظام القائم إلى أحزاب وتيارات إصلاحية، تتبنى الاشتراكية الديمقراطية وتسعى للتغيير من داخل قواعد النظام القائم. وشهدنا كيف تطورت المؤسسات، وانفتحت وتعدلت القوانين، حتى نجحت في دمج القوى اليسارية الثورية، ودفعتهم لترك تنظيماتهم المتطرفة، وصار بعضهم قادة دول أوروبية عديدة.
وحتى التجربة التركية، فقد حملت في جانب رئيسي منها مفهوم الدمج، فقد تعلم الجميع من دروس الماضي، ولم تعد الدولة التي هيمن عليها الجيش هي نفسها الدولة الحالية، ولم يعد دور الجيش التركي الذي قام بانقلابين دمويين في ١٩٦٠ و١٩٨٠ هو نفسه الجيش الحالي، الذي تقوده السلطة المدنية المنتخبة، أما التيارات الإسلامية التي ناصبت الجمهورية التركية العداء، فأصبحت مع تجربة أردوغان أحزابا محافظة ديمقراطية، تبنت العلمانية المنفتحة، واحترمت القيم والمظاهر الدينية، ولا تدعو لتطبيق الشريعة.
في كل هذه التجارب، كانت هناك مؤسسات قوية وقواعد دستورية وقانونية، دمجت فيها القوى الجديدة، وحولت المتطرفين إلى معتدلين، أما على المستوى الدولي، فتظل المشكلة في عدم عدالة هذا النظام وضعف الأمم المتحدة وتطبيق قراراتها بشكل انتقائي، وعدم إيمان أمريكا وإسرائيل بها، وأصبحت الأولى قوة عظمى تعلن كل يوم في عهد ترامب عدم إيمانها بالقانون الدولي والشرعية الدولية، والثانية باتت دولة محصنة فوق المحاسبة والقانون.
ومن هنا، ستصبح الإجابة على سؤال دمج إيران في النظام الدولي، تبدأ بمناقشة طبيعة هذا النظام، وهل هناك قواعد وقوانين تطبق على جميع الدول؟ الحقيقة إن أول شروط نجاح هذا الدمج هو وجود قواعد ومؤسسات دولية تطبق قوانينها على الجميع بشكل عادل وغير انتقائي، كما يحدث الآن على الساحة الدولية.
سيبقى سؤال استيعاب إيران في النظام الدولي، ليس بعيدا عن جوهر فكرة الدمج، التي قدمتها تجارب كثيرة ناجحة، حين استطاعت دولة القانون والمؤسسات، أن تفرض قواعدها على قوى وجماعات سياسية راديكالية، تحركت لعقود خارج المنظومة القانونية السائدة، ولكن هذا النجاح ارتبط بعدالة هذه القواعد والتوافق على فاعليتها واحترامها، وأيضا قدرتها على أن تفرض قوانينها العادلة على الجميع دون استثناءات.
ستبقى قضية استيعاب إيران في النظام الدولي، مرتهنة ليس فقط بالمغريات الاقتصادية التي ستقدم لها، إنما أيضا أو أساسا أن يطلب منها أن تحترم القانون الدولي ولا تتدخل في شؤون الدول الأخرى عبر الميليشيات أو غيره، وهذا لن ينجح إلا لو احترم الجميع القانون الدولي وأولهم إسرائيل، التي ارتكبت حكومتها جرائم إبادة جماعية ولا زالت دون محاسبة.
<p>The post قضية دمج إيران واستيعابها first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360
