كيف سينتهي العالم الذي نعرفه؟
يرى الشاعر الأمريكي روبرت فروست، أن هناك طريقتين لنهاية العالم: إما بالنار أو بالجليد. وإذا كانت النار ترمز لسيناريوهات يوم القيامة، في تمثيل صريح للعنف والحروب والكوارث المدمرة، فإن الجليد يرمز للنهايات الهادئة والتفتت؛ حيث يذوب العالم تدريجياً، ويتحلل دون انفجارات، لتستيقظ البشرية، وقد اهتزت بوصلتها وضاعت بعض من مسلماتها.
من هذا النهج التأملي، قدم “كاميرون عبادي”، نائب رئيس تحرير مجلة “فورين بوليسي”، ملفاً هاماً، يضم عشرة مقالات تجمع بين “الرثاء” السياسي لقواعد النظام العالمي الآخذ في الأفول، و”الاستشراف” الحذر لما ستنتجه التوازنات الجديدة.
يناقش الملف The End of the World as We Know It التحولات البنيوية، التي ضربت السياسة الدولية خلال السنوات الأخيرة؛ وهي مدفوعة جزئياً باتجاهات طويلة الأجل مثل الصعود المتنامي للصين، وصدمات حادة قصيرة الأجل كجائحة كوفيد-19، بجانب المنعطفات السياسية غير التقليدية، التي كرّسها انتخاب (وإعادة انتخاب) الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
يضم الملف إسهامات مجموعة من الكتاب، يمثلون نخبة من المفكرين والباحثين، ويحمل تشريحاً للواقع وما تغير عالميا، ويأتي المحتوى موزعاً على ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً: أفول الأيديولوجيا وتصدع النظام الدولي
في هذا المحور، يقود الاقتصادي برانكو ميلانوفيتش النقاش بتحليل لكيفية انتحار “النيو ليبرالية” الليبرالية الجديدة؛ الأيديولوجيا المؤيدة للسوق الحر، التي هيمنت لعقود، قبل أن تصنع حتفها بيديها. وفي سياق متصل بتفكك الروابط الدولية، تقدم الأكاديمية روزا بروكس تحليلاً بأسلوب أدبي لافت، للبحث عن الأطراف المتعددة المسؤولة عن “موت القانون الدولي”.
ثانياً: أزمة المؤسسات وتراجع سياسات المستقبل
ينتقل الملف لتشريح البنى السياسية والمؤسسية؛ حيث يتساءل المفكر السياسي أنتون ياجر، عما إذا كانت الأحزاب السياسية اليوم قد أصبحت كيانات هامشية ومجرد “حبر على ورق”. وفي الشأن البيئي، تبحث المؤرخة لياه أرونوفسكي في كيفية خروج سياسات المناخ بمفهومها التقليدي من دائرة الفاعلية. وتسترجع الكاتبة ليندا كينستلر المأزق الراهن للفكرة الإنسانية، التي كانت عالمية يوماً ما وهي “حق اللجوء”، بينما يختتم عالم الاجتماع السياسي جوناثان وايت هذا المحور بتحليل ما خسره العالم إثر غياب “الرؤى المستقبلية” وتراجعها من الساحة السياسية لصالح إدارة الأزمات الآنية.
ثالثاً: تحولات التحالفات والبعد الإقليمي
ولأن قضايا العالم لا تنفصل عن بؤر الصراع المشتعلة، يمتد الملف ليناقش قضايا شديدة التماس مع منطقة الشرق الأوسط. وفي مقدمة هذه المواد، يتناول جوشوا ليفر، كاتب العمود في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، قراءة لما يصفه بـ “نهاية التحالف الأمريكي الإسرائيلي” التقليدي، وما يترتب على ذلك من إعادة تشكيل خريطة النفوذ في المنطقة.
يمثل هذا الملف جانباً من نقاش عالمي واسع، يتقاطع مباشرة مع واقع منطقتنا العربية والشرق أوسطية؛ وهي البقعة الجغرافية، التي لم تكن يوماً بمعزل عن هذه التحولات، بل عاشت في السنوات الأخيرة نتائج هذا التغيير المتسارع، وشهدت تصعيداً عسكرياً غير مسبوق، وتحملت التبعات الاقتصادية والسياسية المباشرة للأزمات الدولية الكبرى.
ونظراً لأهمية الموضوعات الواردة، وجدية المنهج الذي تناولها، وما تحمله من أسئلة وتحليلات عميقة، سنقوم في منصة “مصر 360” بعرض مواد هذا الملف تباعاً. يأتي ذلك استكمالاً، لما نقوم به من متابعة ورصد ما ينشر دولياً في مراكز الفكر والأبحاث والدوريات العالمية، لتفكيك ما يجري في العالم، واستيعاب حجم التغير من حولنا، وأثر كل ذلك على منطقتنا.
نهاية النيو ليبرالية : الفضائل التي تغنت بها أدت إلى زوالها
برانكو ميلانوفيتش: أستاذ باحث في مركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك: إذا أردنا تعريف العولمة النيو ليبرالية خلال فترة الأربعين عاماً الممتدة من أوائل ثمانينيات القرن الماضي إلى عام 2020، فيمكن القول إنها كانت مدفوعة بفكرتين: الكونية المشتركة (Cosmopolitanism) والتنافسية (Competition). ويمكن القول أيضاً إن هاتين الميزتين نفسهما قادتا النيو ليبرالية الآن إلى زوالها وتفككها.

يوتوبيا “الكونية”
كانت “الكونية” فكرة نيو ليبرالية جوهرية، تعود جذورها إلى اجتماعات “ندوة والتر ليبمان” في باريس خلال ثلاثينيات القرن العشرين، وتعني الكونية أن كل فرد في العالم يجب اعتباره على القدر نفسه من الأهمية، ومؤهلاً بالتساوي لتحقيق ارتقاء اقتصادي، إذا ما أُتيحت له الظروف الاقتصادية المثلى، وهو ما كان يقتضي ضمان الملكية الخاصة، والتجارة الحرة، والضرائب المنخفضة، مع وجود “إدارة مقبولة للعدالة”.
ولم يكن هناك حاجة لأي شيء آخر تقريباً، وِفق تعبير عالم الاقتصاد آدم سميث، لتلبية الرغبة العالمية لدى جميع البشر في “تحسين أحوالهم الخاصة”، ولكي يبلغ العالم مستويات من الرخاء، لم تكن تخطر على بال.
كما كانت الكونية الفكرة السياسية، التي يستند إليها عالم نيو ليبرالي، تتوارى فيه الحكومة الوطنية عن الأنظار، وتترك الأفراد أحراراً في السعي وراء مصالحهم الذاتية. وكان هذا، في حالته المثالية، عالماً يتسم بحكومة صغيرة أو غير مرئية تقريباً. وبلغة المدافعين الأوائل عن النيو ليبرالية، فإن “السيادة” (Imperium) أي الأعلام والأناشيد واللغات وغيرها من مظاهر القومية تُترك للسياسيين وللناخبين، في حين أن عالم “الملكية والنفوذ” (Dominium) الأكثر أهمية وأثراً، يتكون من حركة السلع ورؤوس الأموال والتكنولوجيا والبشر.
ولكي تخلق الكونية بهذا المفهوم ثروة ورخاءً عالميين، كان لزاماً على العالم أيضاً أن يكون تنافسياً. ولم يكن الأمر يقتصر على السماح للناس بالتنافس فيما بينهم بغض النظر عن الحدود الوطنية فحسب، بل كان يتعين أيضاً تحفيزهم على التنافس ونيل التقدير المجتمعي الذي سيحظون به، إذا ما انتصروا في تلك المنافسة.
معضلة النمو
وقد أثمرت التنافسية نمواً عالمياً؛ فبين عامي 1980 و2020-2021، تضاعف متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بأكثر من مرتين، إذ قفز من 7,700 دولار (بالدولار الدولي لعام 2005، والمعدل وفقاً لتعادل القوة الشرائية) إلى حوالي 17,000 دولار.
وهذا يجعل متوسط معدل النمو السنوي في جميع أنحاء العالم 2.1% للفرد، وهو معدل مرتفع بشكل استثنائي لفترة تمتد أربعين عاماً. (وحدث هذا على الرغم من زيادة سكان العالم من 4.4 مليارات نسمة في عام 1980 إلى 8.3 مليارات نسمة اليوم).
إن تضاعف دخل الفرد لأكثر من مرتين متزامناً مع تضاعف سكان العالم تقريباً، يعني أن الحجم الإجمالي للسلع والخدمات المنتجة في العالم قد تضاعف أربع مرات خلال عصر العولمة النيو ليبرالية.
ولكن هذا النمو “مجهول الهوية”، الذي تحقق بشكل رئيسي بفضل معدلات النمو المرتفعة للدول الآسيوية وتحديداً الصين، لم يساعد موقف النيو ليبراليين في الدول الغنية. فما كان بارزاً ومؤثراً من الناحية السياسية لم يكن المعدل العالمي البالغ 2.1%، بل حقيقة أن معظم السكان في الولايات المتحدة وفي غالبية الدول الغربية الغنية سجلوا معدلات نمو حقيقية (معدلة حسب التضخم) تقارب 1% فقط سنوياً، في حين نمت دخول الأثرياء بمعدل أسرع بمرتين إلى ثلاث مرات.
علاوة على ذلك، لم تكن الحقبة النيو ليبرالية (الممتدة منذ الرئيس الأمريكي رونالد ريجان فصاعداً) منحازة للأثرياء فحسب، بمعنى أن دخول الأثرياء زادت بسرعة أكبر من دخول الطبقة الوسطى والفقراء، بل إنها مثلت أيضاً تباطؤاً في النمو الشامل مقارنة بالفترة السابقة لها.
وبدا العالم، لفترة من الوقت على الأقل، وكأنه يكتسي طابعاً موحداً، لا تقسمه حدود الدول القومية أو العرق أو الجنس، بل الفروق في قدرات الناس ومهاراتهم وجهودهم.
وكان يقترب من النموذج النيو ليبرالي المثالي لعالم بلا حدود، يعج بأفراد يتنافسون بضراوة، وتتحفز دوافعهم التنافسية بشكل إضافي بفضل القدرة على التواصل مع أي بقعة في العالم، ومعرفة ما قد يفعله المنافسون المحتملون، ومن ثم محاولة التفوق عليهم.
ولكن الكونية والتنافسية، مهما بدتا جذابتين في حد ذاتهما، شكلتا مزيجاً غير مستقر.
فقد تحطمت الكونية على صخرة الحدود السياسية الوطنية. كما خلقت التنافسية المفرطة عالماً من الجشع واللا أخلاقية وتسليع الأنشطة كافة، حتى تلك التي كانت تعد الأكثر خصوصية، ووصل الأمر جوهرياً إلى تهديد جعل الأسرة أمراً فائضاً عن الحاجة.
ولم يكتفِ رابحو العولمة النيو ليبرالية في الدول الغنية، مستلهمين تحديداً كونيتهم، التي اعتبروها فضيلة أخلاقية (لأنها خالية من القومية السامة) بالتعامل مع رفاهية مواطنيهم الأقل حظاً، على أنها ليست أكثر أهمية من رفاهية شخص أجنبي أو غريب فحسب، بل اعتقدوا أيضاً أن فشل مواطنيهم في مثل هذه المنافسة المفتوحة هو دليل على خلل أخلاقي ما لديهم. فكان النجاح الاقتصادي يعني التحلي بالفضيلة، أو كما لم ينكر الزعيم الصيني دنج شياو بينج، الذي تزامنت فترة صعوده إلى السلطة مع ريجان ومارجريت تاتشر رئيسة الوزراء في المملكة المتحدة، هذا التوجه، حين قال: “إن تكون غنياً فهذا أمر مجيد”.
بيد أن النظام السياسي منظم ومحكوم داخل الدول القومية. ولذا، شعر المواطنون الأقل حظاً، بأنهم منسيون، وامتلأوا بنقمة عارمة؛ بسبب الطريقة التي عُوملوا بها. ورأوا في استعداد الأثرياء، بل واندفاعهم، للاستثمار في أماكن قاصية ضرباً من القسوة تجاه العاملين المحليين.
كما أن الوعود بتوفير وظائف جديدة تحل محل تلك التي فُقدت؛ بسبب الواردات الرخيصة أو العمل عبر الإنترنت في أماكن أخرى، كانت صعبة التحقيق على أرض الواقع.
وقد خلق الاستياء الناجم عن ذلك اضطراباً سياسياً في أغنى الديمقراطيات. وجاءت الأزمة المالية العالمية عامي 2007-2008 لتجعل ما كان ضمنياً في السابق أمراً جلياً للعيان؛ فالأثرياء لم يكترثوا بمن تخلفوا عن الركب، وعندما حان وقت دفع تكاليف الأزمة، حرصوا تماماً على ألا تُرسل الفاتورة إليهم.
موت الطريق الثالث وصعود الحماية التجارية
أما الساخطون الذين كانوا في أزمنة سابقة يغذون بالتساوي أحزاب أقصى اليسار وأقصى اليمين، كما فعلوا خلال الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين، فقد أصبحت خياراتهم الآن أقل بكثير.
فَقَدت أحزاب اليسار مصداقيتها، إما بسبب فشل “الاشتراكية القائمة بالفعل”، أو رآها الناس من خلال سياسات “الطريق الثالث” التوفيقية، متواطئة مع أحزاب يمين الوسط في تعزيز نمط العولمة النيو ليبرالية الذي أصاب الطبقات العاملة والوسطى الغربية بخيبة أمل شديدة.
وبالفعل، أُحرِزت ذروة العولمة النيو ليبرالية في ظل حكومات “يسارية” اسمياً، مثل حكومة بيل كلينتون في الولايات المتحدة، وتوني بلير في المملكة المتحدة، وفرانسوا ميتران في فرنسا.
لذلك، تحولت الجماهير الخائبة نحو أحزاب اليمين، التي نادت بالتضامن الوطني، وإنهاء المعاملة المتساوية (اقتصادياً) بين السكان المحليين والأجانب، بل وطالبت حتى بإعادة الوظائف الصناعية.
وفي الساحة الدولية، حلّت “المركانتيلية الجديدة” (Neomercantilism) (بما فيها الحماية وفرض القيود التجارية) محل العولمة النيو ليبرالية تدريجياً، مستخدمةً الإكراه الاقتصادي، ومصادرة الأصول الأجنبية، وحظر الاستيراد، وسياسات التعرفة الجمركية الباهظة لقطع التدفق الحر للسلع والخدمات، أو التحكم فيه على أقل تقدير. أما التدفق الحر للعمالة فكان وقفه أيسر بكثير، نظراً لأن شعبيته السياسية كانت ضئيلة للغاية، حتى في أوج العولمة النيو ليبرالية.
أما الشق الثاني من المعادلة النيوليبرالية، ونعني التنافسية داخل المجتمع وعبر الحدود والمناطق الزمنية فقد خلق، مستعيناً بالتقدم التقني، عالماً أُحيلت فيه مهام صيانة المنازل والسيارات وحتى الأعمال المنزلية، من الطهي إلى رعاية المسنين والأطفال، تحديداً إلى الأشخاص الذين لم تعد لديهم وظائف مستقرة، وباتوا جزءاً من طبقة الساخطين.
وإن الأعراف الأخلاقية، التي كانت تمسك بالمجتمعات والأسر في السابق، وتمنع مثل هذه الاستعانة بمصادر خارجية، قد تلاشت مدفوعة بالرغبة في نيل “المجد” أي في أن يصبح المرء غنياً.
وقد ساعدت تلك اللا أخلاقية المتصورة أيضاً في صعود أحزاب اليمين المناهضة للنظام القائم؛ إذ نمت بناءً على وعود لا تقتصر على استعادة الوظائف المفقودة فحسب، بل تشمل استرداد احترام الذات بين الساخطين، والعودة إلى قيم يُزعم أنها تقليدية للمجتمع برمته.
باختصار، استسلمت النيو ليبرالية وحلّ محلها مزيج من الحواجز الحمائية ضد السلع الأجنبية والبشر الأجانب، ومحاولات واهية للعودة إلى عالم أكثر تقليدية في الداخل. وكما يحدث في التراجيديا الإغريقية، فإن الميزات والسمات ذاتها التي ضمنت نجاح العولمة النيو ليبرالية لعقود، هي التي صنعت نهايتها الحتمية.
يمكنكم الاطلاع على الملف الأصلي كاملاً عبر موقع المجلة من خلال الرابط التالي
The End of the World as We Know It
<p>The post كيف سينتهي العالم الذي نعرفه؟ first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360