كيف واجهت دول آسيان «صدمة هرمز»؟
مما لا جدال فيه أن إغلاق مضيق هرمز، الذي يعد شريانا حيويا لأمن الطاقة العالمي والتجارة الدولية، تسبب في أضرار ومعاناة لدول كثيرة في العالم. غير أن درجة الضرر تفاوتت من دولة إلى أخرى بشكل هائل بحسب قوة اقتصاد كل دولة وحجم مخزونها الاستراتيجي من النفط، وسياساتها الخاصة بدعم الوقود وهياكل الاستيراد.
وإذا ما تساءلنا عن الطرف الأكثر تضررًا على مستوى دول منظومة آسيان الجنوب شرق آسيوية مثلا، نجد أن الفلبين أتت في المقدمة، وكانت أكثر ضحايا الأزمة ليس فقط لأنها رابع أكبر دول آسيان من حيث المساحة والثانية من حيث عدد السكان (نحو 118 مليون نسمة)، وإنما أيضا بسبب عدم امتلاكها لمخزونات استراتيجية من النفط، واعتمادها بشكل شبه كامل على الخام القادم من الخليج. ولهذه الأسباب أعلن رئيسها «فرديناند ماركوس الابن» حالة الطوارئ الوطنية في قطاع الطاقة لمدة عام واحد، معتبرًا أن إغلاق هرمز تهديد مباشر لأمن الطاقة في البلاد، ومفوضا الحكومة باتخاذ تدابير لمكافحة الاحتكار والتلاعب بالأسعار مع تقديم حزمة أوسع لدعم المعيشة وقطاع النقل. غير أن هذه الإجراءات لم تمنع إضراب سائقي حافلات «الجيبني» الشعبية، احتجاجا على أسعار الوقود المرتفعة (في شهري مارس وأبريل الماضيين مثلا كانت أسعار الوقود في الفلبين توازي ضعف أسعارها في ماليزيا وتايلاند وفيتنام)، ولم تمنع ارتفاع أسعار الديزل بشكل غير مسبوق، وهو ما فتح المجال واسعا أمام حملة انتقادات واسعة ضد الحكومة لفشلها في تكوين احتياطي استراتيجي من الخام كبقية الدول، وعدم اكتراثها بتحديث شبكات الطاقة.
أما في اندونيسيا فقد أدت تداعيات الأزمة إلى قفزة حادة في أسعار وارداتها من النفط الخام، وهذا بدوره أدى إلى استنزاف احتياطياتها من النقد الأجنبي، الأمر الذي تسبب في الضغط على العملة الوطنية (الروبية) وتدني قيمتها إلى مستويات لم تشهدها البلاد حتى خلال أزمة الانهيار النقدي الآسيوي سنة 1997، وهي الأزمة التي أطلق عليها «أزمة توم يام كونغ» في إشارة إلى أشهر الأطباق في المطبخ التايلاندي، كون الأزمة بدأت في تايلاند وتأثرت بها كل شريكاتها في تكتل آسيان.
لاوس هي الأخرى وقعت ضحية للأزمة أيضًا، لكن بصورة مختلفة عن شريكاتها. فهذه الدولة الصغيرة ذات الملايين الثمانية والمفتقدة لمنفذ بحري، والتي لا يزيد ناتجها المحلي الإجمالي عن 18 مليار دولار، عانت كثيرا في البدايات بدليل إغلاق المئات من محطات الوقود وارتفاع أسعار الديزل بنسبة 100%، واضطرار السلطات إلى تقليص أيام الدراسة وإعداد الحصص المدرسية، لكنها سرعان ما استعادت توازنها ونجحت في النهوض مجددا عن طريق إبرام صفقة رسمية مع شركة الطاقة الحكومية في تايلاند المجاورة لتوريد الوقود المكرر عبر الحدود البرية المشتركة، الأمر الذي ساعدها على تجاوز مشكلتها، وإنْ كانت ستخرج من عام 2026 وميزانيتها تشكو من عجز خطير.
وهذا لا يعني أن تايلاند لم تعان من تداعيات أزمة هرمز، فهي كشريكاتها الأخريات عانت، بدليل أن وارداتها من النفط الخام تقلصت بنسبة 50%، ثم بدليل قيامها بتقليص حجم معظم صادراتها الاستراتيجية من أجل حماية احتياطياتها الوطنية، لكنها في الوقت نفسه، ورغم كل الضغوط، أبقت شريان الحياة مفتوحا أمام جارتها اللاوسية. أما السبب فهو أن البلدين يرتبطان بعلاقات تبادل وتعاون صحية، عمادها المصلحة المشتركة. وبعبارة أخرى فإن «فزعة» تايلاند تجاه لاوس لها علاقة بواردات تايلاند من الطاقة الكهرومائية الآتية من لاوس. حيث إن بانكوك التي تتبع حكومتها استراتيجية تنويع مصادر الطاقة، اتجهت قبل مدة إلى تعميق الاعتماد المتبادل مع لاوس عبر زيادة مشترياتها للطاقة الكهرومائية المولدة من السدود اللاوسية. ومن المؤكد أن استمرار تايلاند في تصدير النفط لجارتها، في عز هذه الأزمة الخانقة ناتج عن سياسة بانكوك الحكيمة لجهة تكوين مخزون طوارئ نفطي، على العكس من الفلبين.
ومثل هذه العلاقة التبادلية غابت في حالة إندونيسيا والفلبين، إذ واجه كل منهما صدمة هرمز بمفرده لافتقارهما إلى شبكة من العلاقات التبادلية يمكن الاعتماد عليها في أوقات الطوارئ وزمن توقف حركة النقل عبر المضايق الدولية لسبب ما.
وهكذا كشفت أزمة هرمز عن نقاط ضعف في أمن الطاقة في منطقة جنوب شرق آسيا، أما الدرس المستخلص منها فهو أن نجاح أعضاء أي تجمع إقليمي في التماسك وتجاوز المخاطر بأقل الأضرار يعتمد على التعاون وتبادل الخدمات والمصالح بين جيران وشركاء يحتاجون لبعضهم البعض. فما بالك لو كان هؤلاء الجيران يرتبطون بأواصر الدم والثقافة والتاريخ والعقيدة كحال دول مجلس التعاون الخليجي.
نقلاً عن “الأيام”
المصدر: العربية – سياسة




