كيف يغير الاتفاق الأميركي – الإيراني الواقع في إسرائيل
الاتفاق مع إيران كان الخيار الوحيد المتاح أمام الرئيس ترمب ولكن ليست أمريكا لوحدها في هذه الحرب، فإسرائيل أيضا موجودة، وهنا يتشكل السؤال حول خيارات إسرائيل أمام هذه الأزمة، فإسرائيل ومهما كانت لغتها السياسية صارمة حول عدم موافقتها للاتفاق الأمريكي الإيراني بصيغته الحالية، إلا أنها في النهاية لا يمكنها الاعتماد على نفسها دون دعم أمريكي، فما تمر به إسرائيل في هذا التوقيت هو اختبار متانة الأهداف التي كانت تخطط لها، فإسرائيل كانت تطمح إلى تغيير النظام الإقليمي لصالحها وحلفائها وكانت طموحات نتنياهو أكبر من قدرات إسرائيل التي تحاول أن تسيطر على الشرق الأوسط استراتيجيا واقتصاديا.
هذه الحرب خلقت الكثير من الأسئلة حول طبيعتها، ومن أهمها كيف لقوة مثل القوة الأمريكية أن ترتبك في حسم المعركة، فلو كانت هذه الحرب قبل دخول القرن الحادي والعشرين لما كانت هذه نهايتها، ولكن التوقيت تغير، فالحروب لم تعد تدار بذات الوسائل فما يحدث اليوم حول طبيعة الحروب يؤكد أن فارق القوة لم يعد معياراً وحيداً يمكن من خلاله تحديد استراتيجيات الانتصار والهزيمة، تكاليف الحروب اليوم تتواجد في مساحات خارج مسرح الصراع فالتكاليف السياسية والاقتصادية المحيطة بمسرح الحرب أصبحت عالية جدا وهذا ما تتعمد إسرائيل عدم فهمه.
الاهتمام الدولي حول هذه الحرب يتجاوز فكرة التنافس الأيديولوجي بين إسرائيل وإيران فالتركيز الدولي منصب على أمن التجارة البحرية وليس على مكاسب إسرائيل في هذه الحرب وتنافسها مع إيران وصراعها الجيوسياسي، فبرغم محاولات إسرائيل أن تبقى في دائرة الحسم فيما يخص قضايا المنطقة إلا أن هذه الحرب خلقت لإسرائيل موقعا في الصف الثاني أو حتى الثالث من حيث الفاعلية السياسية في هذه الأزمة، الواقع الذي تواجهه إسرائيل يتمثل حول حقيقة تخص درجة نفوذها في واشنطن وخاصة أن الأسئلة تتكاثر حول الفائدة التي يمكن أن تجنيها أمريكا والشعب الأمريكي من تفضيل إسرائيل وإبقائها كأولوية سياسية.
الخيارات التي تواجهها إسرائيل صعبة وخاصة أن تلك المواجهة تفرض الصراع المباشر مع أمريكا حليف إسرائيل الدائم، ماحدث بعد الاتفاق الأمريكي مع إيران تمثل في دخول إسرائيل في مرحلة البحث عن تبريرات للمواقف عبر محاولات إسرائيل أن تبدو أمام أمريكا وكأنها تدفع الخطر عنها وتطالب أمريكا بفهم هذه الجزئية الخاصة بانشقاق إسرائيلي عن أمريكا فيما يخص هذه الحرب، عملياً هذا المسار الإسرائيلي لا يمكن أن يمر عبر أروقة السياسية الأمريكية دون تدقيق، فالسياسة الأمريكية وخاصة بعد حرب غزة عملت على محاصرة الأهداف الإسرائيلية في المنطقة وظهرت الكثير من الأصوات التي تطالب بتغير كل الأفكار السائدة التي تمنح إسرائيل الدعم دون تدقيق.
إسرائيل تبحث اليوم عن إجابة مقنعة لماذا قبلت أمريكا الاتفاق مع إيران، لذلك هي تدرك أنه من الصعب عليها أن تفهم هذا التحول في الموقف الأمريكي، والحقيقة أن الواقعية السياسية هي مفتاح الإجابة على الأسئلة الإسرائيلية، اليوم يدخل العالم مرحلة مستجدة من حيث شكل الصراعات وسرعة الحسم وبناء النفوذ، وهذا يعني أن الطموحات الإسرائيلية حول الشرق الأوسط وبرغم تداولها لأكثر من ثمانية عقود مضت إلا أنها اليوم تواجه الأسئلة الصعبة ليس في الشرق الأوسط ولكن في قلب أمريكا الحليف الاستراتيجي لإسرائيل.
الواقعية المطلوبة من إسرائيل تبنيها لخلق حالة من التفاعل مع المنطقة هي أن تدرك أن الشرق الأوسط لم يعد بمتناول أي قوة دولية تستطيع ترويضه ببساطة، كما أن هناك دولة عربية أصبحت في مكانة سياسية واقتصادية متينة يستحيل التأثير عليها، وأخيرا فإن الشرق الأوسط تعلم من دروس الماضي حيث أن الحرب الأخيرة أثبتت أن دول المنطقة أصبحت صبورة للغاية وقادرة على المرور عبر الأزمات والخروج نحو الممرات الآمنة.
الرسالة الواقعية تتمثل في ضرورة إيمان تل أبيب بنهاية الأفكار المتداولة حول السيطرة الإقليمية حيث لم يعد الانتصار متاحا ولم تعد الأفكار التقليدية الإسرائيلية قابلة للاستدامة، فالشروط التي اعتادت إسرائيل على فرضها على حلفائها انتهت، والافتراضات المتفائلة حول المنطقة انتهت، والخيار الواقعي المتاح هو التحول إلى منهجية جديدة من التفكير السياسي الواقعي عبر فهم الدول الفاعلة في المنطقة والتعامل معها من خلال مسار يبحث التوازن الاستراتيجي لجميع الأطراف.
نقلاً عن الرياض
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)