لعبة التفاصيل ومفتاح الحلّ
مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية محكومة بالغرق في كثير من التفاصيل، وباستمرار العمل عليها في الأوقات الفاصلة بين جولة وأخرى.
لكن هذه اللعبة الدقيقة والصعبة والمعقدة تدار عبر الارتباط بخط عريض واضح وبسيط. ولا يبدل في المشهد تكرار الجدل بين من يقول إن المفاوضات المباشرة لم تقدم سوى “المزيد من التنازلات” وبين من يرى بالعين المجردة أن حروب “حزب الله” لم تقدم سوى عودة الاحتلال الإسرائيلي والتدمير والتهجير. أما التفاصيل المرهقة والمعرّضة للتعثر بذاتها أو لحسابات سياسية وانتخابية في انتخابات الخريف الإسرائيلية- والأميركية، فإنها قابلة للحديث بعد كل جولة عن التقدم في جوانب محددة. ولا فرق سواء كان الشيطان يكمن في التفاصيل حسب المثل الشائع أو “كانت الحقيقة المطلقة تكمن في التفاصيل” كما يقول الفيلسوف هوبز. وأما الخط العريض، فإنه الموضوع الجوهري الذي من أجله يصر لبنان على الانتقال من دور الرهينة إلى دور البلد صاحب الرهان على مستقبله.
ذلك أن التفاوض كما السلاح أداة. والسؤال هو: هل المطلوب تفاهم أميركي- إيراني يراهن عليه “حزب الله”لسحب إسرائيل من الجنوب والعودة إلى الاستعداد لجولة جديدة في حرب دائمة أم اتفاق إطاري يقود إلى انسحاب وإعادة إعمار واستثمارات وسلام مستدام؟ ولماذا يذهب لبنان إلى التفاوض؟ هل للانسحاب والعودة إلى المرحلة السابقة المستمرة حاليًّا بكل مآسيها أم للانتقال إلى مرحلة جديدة؟
لكل سؤال في لبنان جوابان وأكثر. لكن المؤكد الواضح أمامنا، بعد عام على قرارات حصرية السلاح في مجلس الوزراء واعتبار النشاطات العسكرية والأمنية خارج الحصرية خارج القانون، وبعد نص الاتفاق الإطاري، هو ربط الأساس والجوهر والتفاصيل في المفاوضات بشرط محدد: سحب السلاح من “حزب الله” وتفكيك بنيته التحتية العسكرية. فلا اتفاق من دون سحب السلاح حسب الأكثرية الرسمية والشعبية في الداخل والأكثرية العربية والدولية. ولا اتفاق مع سحب السلاح في رأي “الحزب”.
ذلك أن حروب “الحزب” ليست الاستثناء بل القاعدة التي على أساسها جرى تأسيسه. ولولا سلاحه وحروبه، باستثناء ما كان قبل العام 2000 وقاد إلى التحرير، لما احتاج لبنان إلى مفاوضات مباشرة واتفاق إطاري بعدما كان الاتكال على اتفاق الهدنة والقرار 1701 و”الميكانيزم”. أما البحث عن حل يحتاج إلی وقت على طريقة الجيش الجمهوري الإيرلندي أو منظمة “فارك” في كولومبيا، فإنه يغض الطرف عن الفارق في الأوضاع. فالجيش الجمهوري الإيرلندي قاتل من أجل هدف محدد هو انضمام ایرلندا الشمالية إلى الجمهورية الإيرلندية بدل أن تكون تابعة لبريطانيا، وعندما بدا الهدف صعبًا ونضجت ظروف التسوية انضم إليها وتخلى عن سلاحه. كذلك الأمر مع “فارك”. أما “حزب الله” فإنه جزء من شبكة ممتدة من فلسطين إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن ومرتبطة بإيران ومشروع ولاية الفقيه. وهذا يحتاج إلى تاريخ، لا مجرد وقت طويل.
أكثر من ذلك، فإن فصل المسار اللبناني في مفاوضات واشنطن عن المسار الإيراني في مفاوضات إسلام آباد لا يوقف ربط لبنان بحروب إيران عبر سلاح “حزب الله” المرتبط عضويًا بولاية الفقيه. حتى المسماة “تنازلات” المفاوض الرسمي اللبناني لأميركا وإسرائيل، فإنها نتيجة إصرار “الحزب” على التمسك بالسلاح والرهان على “نصر إلهي” إيراني والنظر إلى احتلال الجنوب كأنه “أضرار جانبية”. و”مهما قفزت عاليًا لا يمكنك القفز بعيدًا من نفسك” حسب مثل روسي.
نقلاً عن “نداء الوطن”
المصدر: العربية – سياسة





