لقاح كورونا بين تقليل الإصابات وتقليل الوفيات
صرحت وزيرة الصحة السابقة بأن الأبحاث أثبتت أن لقاح كورونا لم يكن ذا جدوى، لأنه لم يمنع الناس من الإصابة، ومع كل الاحترام لشخصها الكريم، إلا أننى أختلف معها، فالعبارة تبدو علمية، لكنها تحمل مغالطة منطقية بسيطة، وهى اختيار وظيفة واحدة للقاح، ثم تجاهل بقية وظائفه، والحكم عليه بناء على هذا الاختيار والاختزال بالفشل الكامل، وكأننا نقول إن حزام الأمان عديم الجدوى، لأن بعض من ارتدوه قد أصيبوا فى الحوادث!، اللقاحات عموماً ليست دروعًا سحرية تمنع دخول الفيروس إلى الأنف، ولم يصرح العلماء أن الحماية ستظل مائة فى المائة إلى الأبد أمام فيروس سريع التحور، لقاحات كوفيد خفّضت العدوى المصحوبة بأعراض بدرجة كبيرة فى بداية استخدامها، ثم ضعفت قدرتها على منع العدوى مع مرور الوقت وظهور متحورات مثل أوميكرون، لكن هذا لا يعنى سقوط فائدتها، فالأهم هو ما حدث من تخفيض للالتهاب الرئوى الشديد، ومن ثم دخول المستشفى، والحاجة إلى التنفس الصناعى، وبالتالى تقليل الوفيات، ولكى نفهم الفاعلية التى نقصدها ببساطة، نقول إن هناك فرقا بين ثلاثة أشياء، هى، الإصابة بالفيروس، والإصابة بمرض مصحوب بأعراض، والوصول إلى مرض خطير ينتهى بالعناية المركزة أو الوفاة، قد يدخل الفيروس جسم شخص حاصل على اللقاح، لكن جهازه المناعى يكون قد تعرّف مسبقًا إلى المضاد، وتكوّنت لديه خلايا ذاكرة وأجسام مضادة، فيقاوم الفيروس بسرعة ويمنعه غالبًا من التحول إلى كارثة رئوية، هناك دراسة حديثة منشورة فى دورية JAMA Network Open بعنوان Estimated Effectiveness of ٢٠٢٤–٢٠٢٥ COVID-١٩ Vaccination Against Severe COVID-١٩، شملت ٨.٤٩٣ مريضًا فى ٢٦ مستشفى أمريكيًا، وجدت أن اللقاحات المحدّثة خفّضت دخول المستشفى بسبب كوفيد بنحو ٤٠٪، بينما بلغت فاعليتها ضد أخطر نتيجة، التنفس الصناعى أو الوفاة، نحو ٧٩٪. فهل يمكن وصف تدخل يخفض احتمال الموت أو التنفس الصناعى بهذه النسبة بأنه بلا جدوى؟!، وأكدت منظمة الصحة العالمية فى نتائج شبكة EuroSAVE أن الحصول على لقاح محدّث خلال الأشهر الستة السابقة خفّض دخول المستشفى بنسب تراوحت بين ٦٠ و٧٢٪، وقلّل النتائج الأشد، ومنها دخول العناية المركزة والوفاة، بنحو ٦٧٪.، أما الدراسة العالمية المنشورة فى The Lancet Infectious Diseases بعنوان Global Impact of the First Year of COVID-١٩ Vaccination، فقد قدّرت أن التطعيم أنقذ خلال عامه الأول وحده قرابة ١٤.٤ مليون إنسان وفق الوفيات المسجّلة، وقد يرتفع التقدير إلى ١٩.٨ مليون عند احتساب الوفيات الزائدة، هذه تقديرات وليست عدًّا مباشرًا لكل حياة، لكنها مبنية على بيانات ١٨٥ دولة، وتتسق مع الانخفاض الكبير فى الوفيات بعد بدء حملات التطعيم، ويأتى السؤال المهم، هل للقاح أعراض جانبية؟، الإجابة نعم، طبعاً.
وفى الأوساط العلمية لا يقدمها العلماء وكأنهم ضبطوا جريمة قتل، العرض الجانبى ليس فضيحة أخفتها المؤسسات العلمية، بل هى مجموعة حقائق اكتشفتها أنظمة المتابعة الطبية وأعلنتها وعدّلت التوصيات على أساسها، الأعراض المعتادة تشمل الألم مكان الحقن، والإرهاق، والصداع، وارتفاع الحرارة وآلام العضلات، وتختفى غالبًا خلال يومين أو ثلاثة، أما المضاعفات الخطيرة فهى حقيقية، لكنها نادرة وتختلف باختلاف نوع اللقاح والعمر والجنس، لقاحات mRNA ارتبطت بزيادة نادرة فى التهاب عضلة القلب أو غشائها، خصوصًا لدى الذكور المراهقين والشباب بعد الجرعة الثانية، ودراسة واسعة فى New England Journal of Medicine قدّرت الزيادة بنحو حالة إلى خمس حالات لكل مائة ألف شخص، وفى معظم الحالات كان المرض خفيفًا واستجاب للعلاج، بينما يمكن لعدوى كوفيد نفسها أن تسبب التهاب عضلة القلب والجلطات واضطراب القلب بمعدلات ومضاعفات أخطر، أما لقاحات الناقل الفيروسى، مثل أسترازينيكا وجونسون آند جونسون، فقد ارتبطت فى حالات نادرة جدًا بمتلازمة التجلط المصحوب بنقص الصفائح TTS ولم تنكر الهيئات الرقابية ذلك، بل قيّدت استخدام بعض هذه اللقاحات أو أوقفته عندما تغيرت معادلة المنفعة والمخاطر وظهرت بدائل أنسب، وهذا دليل على عمل الرقابة العلمية، لا على وجود مؤامرة ماسونية صهيونية صليبية..الخ، ووفق منظمة الصحة العالمية، أظهرت بيانات المتابعة المتراكمة بعد أكثر من ١٣ مليار جرعة أن معظم الأعراض المبلغ عنها خفيفة أو متوسطة ومؤقتة.
وأن المضاعفات الخطيرة تظل نادرة للغاية، من أكثر أساليب المغالطات المنطقية خاصة فى المجال الطبى، جمع كل مرض أو وفاة وقعت بعد تلقى اللقاح واعتبار اللقاح سببها، فكلمة «بعد» لا تعنى «بسبب»، عندما تُطعّم مئات الملايين، سيصاب بعضهم فى الأيام والأسابيع التالية بالمصادفة الإحصائية بجلطات وأزمات قلبية وأورام، بل وسيموت بعضهم لأسباب لا علاقة لها باللقاح، أنظمة الرصد تستقبل هذه البلاغات كى تبحث عن إشارات محتملة، لكنها لا تعتبر كل بلاغ علاقة سببية مؤكدة، إثبات السببية يتطلب مقارنة معدل الحدث بين المطعّمين وغير المطعّمين، مع ضبط العمر والأمراض السابقة وتوقيت الإصابة والخلفية الطبيعية للمرض، العلم إذن لا يقول إن اللقاحات كاملة أو خالية تمامًا من المخاطر، ولا يقول إن كل إنسان، مهما كان عمره وحالته الصحية، يحتاج الآن إلى الجرعة نفسها بالجدول نفسه، التوصيات الحالية تركز خصوصًا على كبار السن ومرضى القلب والسكرى والرئة والكلى وضعف المناعة والحوامل، لأن فائدتها لديهم أكبر كثيرًا. وقد تتغير التوصيات مع تغير الفيروس والمناعة المجتمعية، وهذا تطور طبيعى فى الطب وليس اعترافًا بأن الماضى كان خدعة.
فالسياق مهم، النقد العلمى مشروع بل ومطلوب بشدة، ولكن الموضوعية تتطلب أن يناقش نوع اللقاح، والعمر، والتوقيت، ودرجة الخطورة، والفاعلية أمام كل متحور، أما أن نقول إن اللقاح «لم يمنع كل إصابة، إذن لم تكن له جدوى»، فليس نقدًا علميًا، المعيار الحقيقى ليس: هل أصيب أحد بعد التطعيم؟، بل: كم شخصًا تجنب المستشفى والعناية المركزة والموت بفضله؟، لقد كانت للقاحات آثار جانبية نادرة، وكانت حمايتها من العدوى مؤقتة وغير كاملة، وربما أخطأ بعض المسؤولين عندما وعدوا الناس بأكثر مما تستطيع اللقاحات تحقيقه، لكن البيانات لا تسمح بالقفز من هذه الحقائق إلى الادعاء بأن التطعيم كان عبثًا أو خدعة أو مؤامرة، فاللقاح لم يمنع الفيروس من دخول الجسد، لكنه فى ملايين الحالات منع المريض من دخول العناية المركزة أوالمقبرة، وهذه، فى لغة الطب، ليست «عدم جدوى»، بل جدوى مقياسها الأرواح التى تم إنقاذها لا الأجساد التى تم إصابتها.
نقلاً عن “المصري اليوم”
المصدر: العربية – سياسة