لماذا انفجرت أزمة سندات أميركا الآن؟
بدأت المخاوف تتصاعد في سوق السندات الأميركية مع ارتفاع العوائد طويلة الأجل إلى مستويات مرتفعة، في إشارة تعكس قلق المستثمرين المتزايد بشأن حجم الديون الحكومية الأميركية وتفاقم العجز المالي.
ورغم أن تحركات عوائد السندات عادة ما ترتبط بتوقعات أسعار الفائدة وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، فإن المشهد الحالي يحمل عاملاً آخر أكثر عمقاً، يتمثل في ارتفاع تكلفة تمويل الدين الأميركي وزيادة العائد الذي يطلبه المستثمرون مقابل إقراض الحكومة لفترات طويلة.
“إس آند بي” تُبقي مصر ضمن الأسواق الناشئة وتلغي مقترح خفض تصنيفها
وتأتي هذه التطورات في وقت تقترب فيه الديون الأميركية من 40 تريليون دولار، ما يعيد المخاوف بشأن استدامة المالية العامة الأميركية إلى صدارة اهتمام الأسواق العالمية.
لماذا ترتفع عوائد السندات الأميركية؟
بحسب ما أوردته “بلومبرغ”، يطالب المستثمرون حالياً بعائد أعلى مقابل الاحتفاظ بالسندات الأميركية طويلة الأجل، في ظل تزايد المخاوف المتعلقة بالدين والعجز والتضخم.
ووصل عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى مستويات تقترب من أعلى نطاقاته خلال نحو عقدين، وهو ما يعني أن الحكومة الأميركية باتت مطالبة بدفع تكلفة أكبر لتمويل احتياجاتها عبر الاقتراض طويل الأجل.
ويُعرف الجزء الإضافي من العائد الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات لفترة طويلة بعلاوة الأجل، وهي مؤشر مهم على مستوى المخاطر والتعويض الذي يريده المستثمر مقابل عدم استخدام أمواله لفترة طويلة.
العجز المالي يضغط على واشنطن
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع استمرار اتساع العجز في الميزانية الأميركية. ففي يوليو، سجلت الولايات المتحدة عجزاً مالياً بلغ نحو 432 مليار دولار، بينما قد تصل تكاليف خدمة الدين إلى نحو 1.37 تريليون دولار خلال العام، وفق الأرقام الواردة في المعطيات الحالية.
ومع ارتفاع حجم الدين، تصبح أسعار الفائدة والعوائد على السندات عاملاً أكثر أهمية بالنسبة للمالية الأميركية، إذ إن أي ارتفاع مستمر في تكلفة الاقتراض يعني زيادة الأعباء التي يتعين على الحكومة تحملها لخدمة الدين.
وهنا تكمن الحلقة المقلقة: ارتفاع الدين يؤدي إلى زيادة الاقتراض، وارتفاع العوائد يرفع تكلفة خدمة هذا الدين، ما يزيد الضغط على الموازنة.
الشركات تنافس الحكومة على أموال المستثمرين
ولا تقتصر ضغوط سوق السندات على الحكومة الأميركية وحدها. فالشركات الأميركية كثفت أيضاً عمليات الاقتراض وإصدار السندات، مع وصول الإصدارات إلى نحو 1.7 تريليون دولار هذا العام، مع توجيه جزء كبير من التمويل إلى الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وهذا التطور يخلق منافسة إضافية على أموال المستثمرين بين الحكومة والشركات.
وبمعنى آخر، فإن واشنطن ليست المقترض الوحيد الذي يحتاج إلى جذب رؤوس الأموال، بل تنافسها الشركات الكبرى على السيولة المتاحة في الأسواق، وهو ما قد يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أكثر جاذبية.
التضخم يضيف مزيداً من الضغوط
إلى جانب الديون والعجز، لا يزال التضخم يمثل عاملاً مهماً في معادلة السندات.
فالمستثمر الذي يشتري سنداً طويل الأجل يريد تعويضاً مناسباً عن مخاطر تآكل القوة الشرائية لأمواله مستقبلاً، خصوصاً إذا ظل التضخم أعلى من المستويات المستهدفة لفترة أطول.
وبالتالي، فإن ارتفاع العوائد لا يعكس بالضرورة توقعات بشأن قرار الفيدرالي فقط، بل قد يكون أيضاً تعبيراً عن ارتفاع المخاطر المرتبطة بالتضخم والمالية العامة والعرض الكبير من السندات في السوق.
“الفيدرالي” يزيد حالة عدم اليقين
وزادت حالة عدم اليقين مع تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، الذي لم يقدم إشارات واضحة بشأن المسار المقبل لأسعار الفائدة.
وفي الوقت الذي لا تتوقع فيه الأسواق رفع الفائدة في سبتمبر، تواصل عوائد السندات طويلة الأجل ارتفاعها.
وهذه المفارقة هي إحدى أكثر النقاط إثارة للاهتمام في المشهد الحالي: إذا كان المستثمرون لا يتوقعون رفعاً قريباً للفائدة، فلماذا ترتفع عوائد السندات؟
الإجابة قد تكون أن السوق بدأ ينظر إلى المشكلة من زاوية مختلفة؛ فبدلاً من التركيز فقط على مستوى الفائدة قصيرة الأجل، أصبح المستثمرون أكثر اهتماماً بحجم الدين والعجز، وبكمية السندات التي ستحتاج الحكومة والشركات إلى إصدارها لتمويل احتياجاتهما.
الأسهم هادئة.. لكن سوق السندات يرسل إشارة مختلفة
حتى الآن، لم تظهر الأسواق الأميركية رد فعل عنيفاً بحجم المخاوف التي تعكسها سوق السندات، إذ لا تزال الأسهم تتحرك بهدوء نسبي.
لكن سوق السندات غالباً ما يُنظر إليها باعتبارها من أهم مؤشرات المخاطر طويلة الأجل في الاقتصاد الأميركي.
ولهذا فإن استمرار ارتفاع العوائد طويلة الأجل قد يصبح أكثر أهمية إذا بدأ يؤثر في تكلفة الاقتراض بالنسبة للشركات والأسر، أو إذا انعكس على تقييمات الأسهم والاستثمارات عالية المخاطر.
هل أصبحت الديون الخطر الحقيقي؟
المشهد الحالي لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة أمام أزمة ديون وشيكة، لكنه يكشف عن تغير مهم في طريقة تسعير المخاطر.
فالمستثمرون الذين اعتادوا النظر إلى السندات الأميركية باعتبارها أحد أهم أصول الملاذ الآمن في العالم، يطالبون الآن بعائد أعلى مقابل تحمل مخاطر المدى الطويل.
ومع اقتراب الدين الأميركي من 40 تريليون دولار، واتساع العجز، وارتفاع تكاليف خدمة الدين، واستمرار حاجة الشركات إلى التمويل، فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بما سيفعله الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعه المقبل.
السؤال الأكبر هو: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في الاقتراض من دون أن تضطر إلى دفع ثمن أعلى لجذب المستثمرين؟.. فإذا كانت الأسهم لا تزال هادئة، فإن سوق السندات تبدو وكأنها ترسل رسالة أكثر وضوحاً: الخطر الذي يراقبه المستثمرون لم يعد الفائدة وحدها.. بل الديون الأميركية.
المصدر: العربية – اقتصاد




