لن يتوقف الفلسطينيون عن مقاومة البطش
<p style="text-align: justify;">لم تتوقّف حرب الإبادة الوحشية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة، بل تحوّلت إلى حرب استنزاف بشري وإنساني واقتصادي على مرأى ومسمع من العالم الذي يسمي نفسه متحضّرًا. ولم تتوقف إسرائيل عن إعلان هدفها الصريح لكل حرب الإبادة التي تشنّها، التطهير العرقي للفلسطينيين.</p>
<p><meta charset="utf-8" /></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">ولم تتراجع هجمات عصابات المستوطنين الإرهابيين على مدن الضفة الغربية وبلداتها وقراها، بل تصاعدت بقيادة الفاشيين سموتريتش وبن غفير اللذين لم تزدهما بعض الإجراءات العقابية الناعمة إلا شراسةً واستفزازًا، لأنها، في الواقع، لم تكن سوى ذرٍّ للرماد في العيون، ومحاولة لتبرير التقاعس عن فرض عقوباتٍ مؤثرةٍ وحقيقية على حكومة إسرائيل نفسها، وهي التي تموّل عصابات الاستيطان الإرهابية وتحميها وتساندها. ولم يتوقف البطش الوحشي بالأسرى والأسيرات الفلسطينيين الذين يؤخذون رهائن لدى الاحتلال، رغم انكشاف حجم الاضطهاد الذي يتعرّضون له من التجويع، للتعذيب والتنكيل إلى الإعدام الميداني ومرورًا بجرائم الاغتصاب المشينة التي وثقت ونشرت.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">ما من قانون دولي احترمته إسرائيل، وما من اتفاقية نفذت، بما في ذلك اتفاق وقف إطلاق النار في غزّة، وما من حدود لم تُخترَق. لم تعد الحواجز العسكرية في الضفة الغربية أمرًا عابرًا أو طارئًا، بل أصبحت واقعًا ثابتًا يشمل أكثر من 1300 حاجز عسكري، و250 بوابة إلكترونية تُقطع أوصال الضفة الغربية وتحول مئات من قراها وبلداتها إلى سجون محاصرة.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">وتجاوز عدد التجمعات السكانية التي هجّرت على يد عصابات الإرهاب الاستيطانية، وبحماية جيش الاحتلال ورعايته، مائة موقع. واستمر تهجير ما يزيد على 40 ألف لاجئ فلسطيني من مخيمات طولكرم ونور شمس وجنين، فصاروا مثل معظم أهل غزّة الصامدة، أول لاجئين في التاريخ يُرحلون من أماكن لجوئهم، لأن الاحتلال يريد استكمال نكبته الأصلية عام 1948 بنكبة أوسع وأشمل تستهدف كل الوجود الفلسطيني في فلسطين.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">لا يعاني ما يزيد على مليوني إنسان في قطاع غزّة وحدهم من الحصار الخانق المتواصل، مع منع أكثر من 20 ألفًا من الجرحى والمرضى من حقهم في الخروج للعلاج، بل يعيش أهل الضفة الغربية مأساة أخرى اسمها "الجسر"، المعبر الوحيد المتاح لهم للخارج، وللعودة من الخارج إن غادروه لأغراض العمل أو التعليم أو العلاج، الذي لا يفتح إلا بضع ساعات قليلة خمسة أيام في الأسبوع، ثم يتفنن القائمون عليه في إهانة كرامة الناس وحياتهم بإغلاقه متى شاؤوا وكيفما شاؤوا.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">تحاول المنظومة الإسرائيلية، التي تمارس مزيجًا من الاحتلال المعفى من أي التزامات تجاه القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية جنيف، ومن أي احترام لأبسط حقوق الانسان، ومن أي قيود على استعمال العنف الإجرامي إلى حد القتل من دون حساب أو مساءلة، مع منظومة أبارتهايد عنصرية تجاوزت في اضطهادها كل ما شابهها تاريخيًا، ومع عناصر المشروع الأشمل والأخطر، وهو الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، وغرضه الاستيلاء على جميع الأراضي الفلسطينية، وطرد سكانها ومحاولة تكرار جريمة إبادة السكان الأصليين في مستعمرات الأميركيتين وغيرها في بلدان أخرى.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">وتكمن الخطورة الكبرى في نهج تخدير العالم لجعله قابلًا بهذا الأمر الواقع ومعتادًا له، وفي محاولة إجبار الضحايا الفلسطينيين على تقبّل الظلم والتعايش معه. ولذلك، نرى كل هذا العداء لفكرة فرض العقوبات والمقاطعة على المنظومة الإسرائيلية، ونرى كل هذا الهجوم من الحركة الصهيونية وعملائها وأعوانها والمتواطئين معها والمستسلمين لها على فكرة مقاومة الظلم والاضطهاد أيًا كان شكله. السبب واضح، لأن مقاومة الظلم والاضطهاد تفسد محاولة تكريسه والتأقلم معه، ولأن ترسيخه هو ما يساعد الحركة الصهيونية والمنظومة الإسرائيلية على تنفيذ هدفها الرئيسي بوضع الناس في ظروف لا تطاق إنسانيًا واقتصاديًا واجتماعيًا تؤدي إلى التطهير العرقي لشعب بكامله تدريجيًا.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">لا يجوز السماح باعتياد الواقع، ولا يجوز تفويت أي فرصة في العلاقة مع العالم إعلاميًا وسياسيًا ودبلوماسيًا من دون إحراجه والضغط عليه بمطلب اتخاذ إجراءاتٍ عقابيةٍ ضد الظلم الجاري الذي تجاوز كل الحدود. وهناك فرصة لا سابق لها، نشأت بعد انكشاف أبعاد حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزّة، التعاظم غير المسبوق والمذهل للتأييد الشعبي العالمي للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ما يفتح بابًا واسعًا لاستثمار ذلك التأييد في الضغط على البرلمانات والحكومات والقادة، وهو ضغط أظهر تأثيرًا ملموسًا في بلدان عدة، مثل إسبانيا وايرلندا، وحتى داخل الولايات المتحدة، وإن كان يجابه، كما هو متوقع، بهجمات مرتدّة من اللوبي الصهيوني، والمسنود من الإدارة الأميركية، كما جرى في سلوفينيا وكولومبيا. والأهم ضرورة التمسك بنهج وثقافة رفض الظلم والاضطهاد ومقاومته، وسد الطريق على كل المغرضين والمنتفعين الذين يحاولون خنق كل أمل، ويسعون لتشويه كل جهد وطني إيجابي وتزويره وتحريفه.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">تجاوز البطش الحدود، ولكنه لم ينجح، على مدار 120 عامًا، ولن ينجح في كسر إرادة الشعب الفلسطيني أو تضليل وعيه الصلب الذي يثبت كل يوم مدى ذكائه وفطنته ووطنيته غير القابلة للاختراق.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"> </p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"> </p>
المصدر: القدس
