ليبيا توقّع اتفاق “4+4”.. الترقب ينتهي واختبار التوافق يبدأ
بعد أيام من الترقب والشد السياسي، وقّعت الأطراف الليبية اتفاق “4+4” برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في خطوة أنهت الجدل حول مصير الوثيقة ومراسم اعتمادها، لكنها لم تحسم الخلافات السياسية المحيطة بها، إذ إن التوقيع، بحضور نائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني وعدد من أعضاء مجلسي النواب والدولة وممثلي اللجنة وأطراف سياسية أخرى، لا يعني بالضرورة تحقق توافق شامل على مضمون الاتفاق أو آليات تنفيذه.
وجاءت مراسم التوقيع وسط تحفظ رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، الذي طلب الاطلاع على النص النهائي وملاحقه ومرجعيته وآليات اعتماده وتنفيذه، ورفض رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة الحضور، ما أبقى الخلافات قائمة ونقل التحدي من إنجاز الاتفاق إلى اختبار قدرته على الصمود أمام الانقسامات السياسية.
تيتيه: “إنجاز كبير” نحو الانتخابات
خلال مراسم التوقيع، وصفت المبعوثة الأممية هانا تيتيه الاتفاق بأنه “إنجاز كبير” على طريق إجراء الانتخابات وتحقيق الاستقرار في ليبيا، مشيدة بالجهود التي بذلتها الأطراف للوصول إليه.
وقالت إن مسار “4+4” نجح في جمع أطراف تنفيذية وتشريعية حول طاولة واحدة، بعد نقاشات مطولة استهدفت تذليل العقبات أمام إجراء الانتخابات.
كما أشادت بالقيادة العامة للقوات المسلحة وحكومة الوحدة الوطنية، معتبرة أن جهود الأطراف المختلفة أسهمت في الوصول إلى الاتفاق.
وبحسب تيتيه، فقد ركزت المفاوضات على تنفيذ الخطوتين الأوليين من خارطة الطريق الأممية، والمتعلقتين بمجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والقوانين الانتخابية، وهما ملفان يقعان في صلب الأزمة التي عطلت الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي.

حضور رسمي.. وغيابات لافتة
غير أن صورة التوقيع لم تعكس توافقاً سياسياً كاملاً. ففيما غاب رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، حضر نائبه موسى الكوني، مانحاً المجلس الرئاسي تمثيلاً رسمياً في المراسم.
كما شارك عدد من أعضاء مجلسي النواب والدولة، بينما غاب رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، بعدما رفض دعوة وجهتها إليه المبعوثة الأممية لحضور التوقيع.
وتكتسب مشاركة ممثلي مجلس الدولة في لجنة “4+4” أهمية خاصة، بالنظر إلى الخلاف الذي أثارته عضويتهم داخل المجلس، بعدما سبق أن طُلب منهم الانسحاب من اللجنة أو جرى الحديث عن تجميد عضوياتهم.
وهكذا، عكس مشهد التوقيع استمرار الانقسام السياسي، إذ جلست أطراف إلى الطاولة بينما تحفظت أخرى على المسار أو غابت عنه.
الاعتراض ينتقل إلى الشارع
لم تبق التحفظات خلف أبواب المؤسسات السياسية. فبالتزامن مع مراسم التوقيع، تجمع متظاهرون أمام مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في جنزور، معلنين رفضهم لاتفاق “الاجتماع المصغر” الذي توصلت إليه لجنة “4+4”.
واكتسب الاحتجاج رمزية إضافية من مكانه وتوقيته؛ ففي الداخل كانت الأطراف توقع الاتفاق برعاية أممية، وفي الخارج كان معارضوه يعلنون رفضهم له.
وبذلك، امتد الاعتراض من المؤسسات والشخصيات السياسية إلى الشارع، ما يضيف عقبة أخرى أمام تحويل الاتفاق إلى مسار عملي.
من بنغازي إلى جنزور
حتى مكان التوقيع لم يخلُ من المفاجآت. فبعد ترتيبات سابقة أشارت إلى إمكانية استضافة بنغازي جانباً من مراسم التوقيع، انتهى المشهد في مقر بعثة الأمم المتحدة في جنزور، غرب العاصمة طرابلس.
ولم يمنع تغيير المكان إتمام التوقيع، لكنه أضاف تفصيلاً سياسياً إلى مسار رافقته منذ البداية حسابات تتعلق بمشاركة المؤسسات والمناطق المختلفة.
فاللجنة التي قامت على جمع أطراف من مشارب ومناطق ومؤسسات متعددة، وصلت إلى توقيعها النهائي في الغرب الليبي، فيما غابت بنغازي عن المشهد الختامي.
التوقيع انتهى.. والاختبار يبدأ
يذكر أنه بالتوقيع، تكون لجنة “4+4” قد تجاوزت اختبار الوصول إلى اتفاق، لكنها دخلت فوراً في الاختبار الأصعب: اختبار التنفيذ.
فالوثيقة لن تُقاس بعدد التواقيع أسفلها، بل بقدرتها على تحويل بنودها إلى قرارات ملزمة وخطوات محددة تفتح الطريق أمام انتخابات متفق عليها، ومؤسسات انتخابية فاعلة، وقواعد قانونية لا تعيد إنتاج الخلافات التي عطلت الاستحقاقات السابقة.
وتسعى البعثة الأممية إلى تقديم الاتفاق بوصفه محطة متقدمة في خارطة الطريق السياسية، لكن التحفظات والغيابات والخلافات داخل مجلس الدولة والاحتجاجات التي رافقت مراسم التوقيع تكشف أن الاتفاق لم ينهِ الأزمة، بل نقلها إلى مرحلة أكثر حساسية.
فمن دون قبول سياسي أوسع، وآليات تنفيذ واضحة، والتزام فعلي من الأطراف، قد يتحول الاتفاق إلى وثيقة جديدة تضاف إلى أرشيف التفاهمات الليبية من دون أن تغيّر شيئاً على الأرض.
انتهى الترقب وتغير السؤال من “هل سيُوقّع الاتفاق؟” إلى “من سينفذه، ومتى، وبأي ضمانات؟”
التوقيع ليس نهاية المسار، بل لحظة كشف حقيقية؛ إما أن يتحول الاتفاق إلى خطوات تقود إلى الانتخابات، أو يسقط عند أول اختبار سياسي، لتثبت ليبيا مرة أخرى أن المشكلة ليست في الوصول إلى طاولة التفاوض، بل في إلزام الأطراف بما وقّعت عليه.
الآن يبدأ الاختبار الفعلي، ولن تنقذ الاتفاقَ مراسمُ التوقيع إذا عجزت الأطراف عن تنفيذ بنوده.
المصدر: العربية




