ما مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران: قراءة في المشهد بعد 110 أيام من الحرب
توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران هذا الشهر ليس مجرد خطوة دبلوماسية لإنهاء القتال؛ إنه إعلان رسمي عن وضع حد ل 110 أيام من الحرب الشرسة التي قلبت موازين الطاقة والأمن. هذا الاتفاق هو واقع جديد فُرض على الطرفين، ولم يعد بإمكان أحد تجاهله.
الحقيقة أن الطرفين وصلا إلى حالة من الإنهاك الاستراتيجي. واشنطن تعبت من كلف الحرب الاقتصادية ومخاطرها، وطهران شعرت بضغط وجودي على نظامها وقدرتها على إدارة نفوذها. نحن أمام “تسوية ضرورة”؛ فإيران قبلت بقيود دولية مقابل بقاء برنامجها النووي تحت الرقابة على أراضيها لمدة ستين يوما او اكثر، وواشنطن قبلت بهذا المسار لضمان استقرار الأسواق العالمية وإنهاء نزيف الحرب، مبتعدةً عن خيار “الضغط الأقصى” الذي كان يهدف لتغيير المعادلة بالكامل.
عند قراءة بنود المذكرة، تجد أن الطرفين سعيا لتقييد حركة الآخر خلال ال 60 يوماً القادمة. فبينما واشنطن تراهن على احتواء إيران اقتصادياً، نجحت طهران في تثبيت تجميد العقوبات ورفع الحصار البحري. باختصار، المذكرة تحول طاولة المفاوضات من حالة الصدام المباشر إلى عملية تفاوضية دقيقة، حيث يحاول كل طرف تحصيل أقصى ما يمكنه من المكاسب في ظل التزاماته الجديدة.
صحيح أن المذكرة لم تذكر الصواريخ الباليستية أو الميليشيات صراحة، لكن الرئيس ترامب أكد أن هذه الملفات ستكون حاضرة بقوة على طاولة البحث خلال ال 60 يوماً القادمة، مشدداً على أنها ستأخذ حيزاً جوهرياً في النقاش. هذه الستين يوماً هي “مرحلة مفصلية” الهدف منها صب المضامين الأمنية والسياسية الحقيقية في بنود المذكرة، وتحويل الإطار العام إلى اتفاق ملزم وواضح المعالم للطرفين.
بالنسبة لإسرائيل، هذا الاتفاق يضعها في زاوية صعبة. شمول لبنان بوقف إطلاق النار دون تفكيك حقيقي لقدرات حزب الله، والتعامل مع إيران ك “دولة عتبة نووية” كأمر واقع، يثير قلقاً عميقاً في تل أبيب. إسرائيل تشعر ببيئة استراتيجية خانقة؛ فالحليف الأمريكي الذي وقع الاتفاق يبحث عن الاستقرار الإقليمي، بينما تُركت إسرائيل أمام تحديات أمنية معقدة على حدودها، ما يجعلها تشعر بفقدان الغطاء الكامل الذي اعتادت عليه.
هل سينجح الوصول لاتفاق نهائي؟ الأمر يعتمد على جدية واشنطن في التمسك بشروطها في المفاوضات القادمة. ستحاول أمريكا طبعاً ربط المساعدات الاقتصادية الموعودة بتقدم حقيقي في ملف النووي والقضايا الأمنية. لكن يبقى السؤال: هل ستنجح هذه المراهنة؟ الأرجح أننا سنرى نجاحاً في الجوانب التقنية والمراقبة، أما تفكيك القدرات الاستراتيجية التي بنتها إيران، فهذا أمر يبقى تحدياً كبيراً ومستبعداً في المدى القريب.
إسرائيل، من جهتها، قد لا تنتظر انتهاء الستين يوماً. قد تجد نفسها مضطرة للعمل “خارج الصندوق” لحماية أمنها الخاص، وهذا يضعها أمام احتمالية اصطدام مباشر مع الرؤية الأمريكية الجديدة للمنطقة، التي تضع التهدئة على رأس أولوياتها.
المصدر: العربية – سياسة




