متى يرحل نظام يوليو إلى ذمة التاريخ؟ انقلاب أنور السادات على نفسه (10)
Back
لا جدال في أن رحيل جمال عبد الناصر بالوفاة، ومجيء أنور السادات رئيسًا للجمهورية كانا إيذانا بتحولات مهمة في الحياة السياسية المصرية، وفي قلبها بالطبع نظام الحكم، وتوجهاته الداخلية والخارجية، ولكن هذه التحولات التي أدت إلى توسيع مساحات الحركة نسبيا، للمجتمع ككل، وفي علاقات العمل والإنتاج، وفي الأسواق بالذات، لم تصل إلى حد تغيير الطبيعة الأصلية للنظام، من حيث كونه نظاما سلطويًا، مصدر السلطة الوحيد والحقيقي فيه هو الدولة الأمنية، بقيادة المؤسسة العسكرية، ومن حيث استمرار تعبئته حول شخص الرئيس، الذي تتركز في يده كل السلطات، وتنبع منه كل الأدوار والاختصاصات في سائر أجهزة ومؤسسات الدولة.
كانت وعود الديمقراطية وسيادة القانون ودولة المؤسسات هي مسوغات تقديم السادات لنفسه إلى الرأي العام، وذلك من خلال معركته مع مراكز القوة في مايو عام 1971، بالإضافة طبعا إلى الالتزام بخوض حرب تحرير سيناء من الاحتلال الإسرائيلي، و قد بدأت إصلاحات السادات السياسية تتوالى حتى من قبل حرب أكتوبر، إذ تم تصفية الحراسات التي وصفناها في المقال السابق بالإدارية والسياسية، أو غير القضائية، وخُففت قيود العزل السياسي، ورفعت القيود على السفر إلى الخارج، ووضع دستور عام ١٩٧١ الدائم، الذي وإن احتفظ للرئيس بكافة سلطات سلفه، فإنه أضاف تعديلين مهمين إلى حياتنا السياسية، حيث أعيد اسم مصر رسميا بدلًا من الجمهورية العربية المتحدة (الوهمية)، وحددت مدة بقاء الرئيس في المنصب بفرتين رئاسيتين فقط.
وسط كل ذلك سري في المجتمع شعور بالتنفيس والارتياح، حيث توقفت الرقابة البوليسية على الاتصالات، إلا في أضيق الحدود، وأطلق سراح بعض المعتقلين، والمحددة إقامتهم، وتوقفت زيارات الفجر الشهيرة!!!! كما توقف التعذيب في السجون بصفة نهائية، ونص الدستور على أن التعذيب جريمة لا تسقط بالتقادم.
كان كل ذلك من أوراق اعتماد الرئيس الجديد لدي الرأي العام، ولكنه كان في الوقت نفسه فهما لدروس أخطاء وسلبيات الحقبة الناصرية، دون أن يصل الإصلاح إلى جوهر النظام من حيث مصدر سلطته، ومن حيث احتفاظ الرئيس بكل الخيوط، وكل الآليات السلطوية، كما سبق القول، بل إن السادات اخترع تأويلًا دستوريًا عجيبًا، فاعتبر نفسه فوق كل السلطات، واصفًا نفسه بالحَكَم بين هذه السلطات، على الرغم من أنه رئيس السلطة التنفيذية بلا جدال، حسب نص الدستور نفسه، علما بأن العرف يعطيه مزيدًا من الاختصاصات التي لم يبينها النص أصلًا، وبالطبع فهذا تأويل لا يعرفه الفقه الدستوري في أي مكان أو زمان، لأنه ببساطة يجهض مبدأ الفصل بين السلطات، الذي تقوم على أساسه عملية الرقابة والتوازن، بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، والتي هي جوهر الديمقراطية
لكن يبقي أن أخطر ما هدد الإصلاح السياسي في الفترة الرئاسية الأولى للسادات هو تحالفه القاتل له شخصيًا (فيما بعد) والقاتل لإصلاحاته ككل مع تنظيمات الإسلام السياسي، ودخوله في صراع مع جميع القوى والتيارات السياسية الأخرى، مما اضطرّه إلى مزيد من التطرف الرجعي، فدعا إلى ما سماه بأخلاق القرية، وإلى إصدار قانون لتطبيق حد الردة المزعوم، وسمي نفسه كبير العائلة المصرية، وفكر في تقنين وصفه بسادس الخلفاء الراشدين.
هذا الإمعان في عدائه لكل تيارات المجتمع دفعه إلى إضعاف القطاع العام، لإضعاف القاعدة العمالية، ونقاباتها باعتبار أنها حاضنة الفكر اليساري.
لكن كل تلك الثغرات وأوجه القصور لم تكن قد ارتقت بعد إلى حد انقلاب الرجل على نفسه، وهو ما حدث بعد مظاهرات الطعام في يناير عام 1977- التي اعتبرها المعارضون لسياسات الانفتاح التجاري الساداتية، ولشيوع الفساد في الاقتصاد الوطني-انتفاضة شعبية، ومعهم العالم كله، في حين اعتبرها السادات وحده انتفاضة حرامية، ليدخل من فوره في صراع شامل وتوتر دائم مع الجميع، بل ومع نفسه أيضا، حتى نالته رصاصات الاغتيال.
كان الرئيس قد أطلق سياسية التعدد الحزبي في العام السابق على مظاهرات الطعام، وكان ذلك العام قد شهد أفضل انتخابات برلمانية في تاريخ مصر منذ انتخابات عام 1950 في العهد الملكي، وكانت حيوية المناقشات البرلمانية، وخصوبة الحوار العام في الصحف ووسائل الإعلام غير مسبوقة في جمهورية الضباط، ولكن كل شيء انقلب إلى الضد، وانقلب الرئيس ذاته على نفسه، وعلى إصلاحاته.
في تلك الأثناء أضيف إلى هذه الأسباب للتوتر الحاد والشامل في الحياة السياسية المصرية سبب جديد وكبير، وهو زيارة الرئيس لإسرائيل قرب نهاية العام الذي ابتدأ بمظاهرات الطعام، تحت مسمي مبادرة السلام، وبينما فهمت هذه المبادرة على أنها مخرج للسادات من الأزمة الاقتصادية، توقعًا لمعونة أمريكية سخية تعوض توقف المدد الخليجي، فقد اعتبرها اليسار والقوميون هروبًا إلى الأمام، وربما تفريط من جانب الرئيس، وتجددت حملات الانتقاد داخل البرلمان، وخارجه، والتي لم تكد تكون قد هدأت بعد منذ اندلاعها عقب مظاهرات الطعام، ومحاولة النظام المستمرة لتسفيهها ، فكان العلاج الذي اختاره الرئيس للأزمة هو حل البرلمان بالكامل، والدعوة لانتخابات جديدة، تخلص فيها الرئيس من جميع النواب المعارضين تقريبًا، إلا عضوًا واحداً هو المرحوم المستشار ممتاز نصار، وذلك للعجز فقط عن تزوير النتائج، وبالطبع أُبعد رئيس البرلمان القوي المهندس سيد مرعي، بما أنه لا يوافق على (شكم النواب المعارضين)، و جيء ببديل ينفذ ما يملى عليه.
وسط هذا المناخ الملبد، صدرت قوانين وطبقت إجراءات قمعية لم تعرفها مصر حتى في أيام مراكز القوى الناصرية، ومنها قانون السلام الاجتماعي الذي كان يجرم تجمع أكثر من خمسة أشخاص في الشارع العام، ومنها قانون العيب، ومحكمة القيم، والمصادرة القضائية اليومية والأسبوعية لصحف المعارضة، خاصة جريدة الأهالي لسان حال حزب التجمع اليساري.
في الوقت ذاته انطلقت الحملات الصحفية والإعلامية الموالية الرئيس ضد أحزاب ورموز المعارضة بلا ضابط ولا رابط، وخاصة حزب الوفد الجديد، ورئيسه فؤاد سراج الدين، وحزب التجمع اليساري، وجميع قياداته.
لقد بلغ من شدة هذه الحملات وتضييق السلطة على حزب الوفد بالذات إلى أن يتخذ الحزب قرارًا بحل نفسه، ليعقب السادات نفسه علنا بقوله: “خيرا فعلوا فقد كنت أنوي حل حزبهم”، ويضيف تشبيهه لسراج الدين بلويس السادس عشر ملك فرنسا الذي أعدمته الثورة، قائلا إن على سراج الدين أن يمتن لثورة ٢٣ يوليو لأنها لم تحكم عليه بالإعدام وتنفذ الحكم، وكانت تلك مفارقة ساخرة ومحزنة في الوقت نفسه، حيت اضطرّ السادات الذي أمضى سنوات رئاسته في هدم تراث يوليو، وإهالة التراب على قائدها جمال عبد الناصر إلى الاستظلال بمظلتها مرة أخرى، ليس في مواجهة حزب الوفد الجديد القديم، وزعيمه فؤاد سراج الدين، ولكن في مواجهة الجماعات الدينية أيضًا، وفي مقدمتهم جماعة الاخوان المسلمين نفسها، بعد انتهاء شهر العسل بينه وبينها، وكان ذلك غالبًا بسبب معارضتها لاتفاق السلام مع إسرائيل.
قبل أن نصل إلى فقرة الختام باغتيال أنور السادات برصاص تنظيم الجهاد الإسلامي في أكتوبر عام ١٩٨١، فإن قصة انقلاب الرجل على نفسه لا تكتمل إلا بمأساة تعديل الدستور، لكي يلغي قيد المدتين الرئاسيتين، ويبقى هو في المنصب مدى حياته، محرضًا بذلك آخرين لا نعلمهم، ولكن الله يعلمهم على التخلص منه بالقتل، كما لا تكتمل مأساة الانقلاب الساداتي على الذات إلا بتذكر اعتقالات ٥ سبتمبر، أي قبل اغتياله بشهر واحد، والتي لم تستثن شخصًا ولا تيارًا ممن اعتبرهم الرجل معارضين، أو خصوما سياسيين، بل امتدت إلى رأس الكنيسة القبطية، التي صدرت إليها توترات عهد السادات، خاصة في المسائل الدينية والطائفية، وهكذا سلم السادات مصر إلى خليفته، أكثر جراحًا مما تسلمها من سلفه، وهو الذي كان يتباهى كما سبق القول في المقال السابق بأن تسلم البلد مجّرحة، لكنه ضمد تلك الجراح.
وكما هي عادة رؤساء يوليو الذين لا يعيش لهم إصلاح، أطلق الرئيس نفسه على تلك الاعتقالات اسم ثورة ٥ سبتمبر في العمل الوطني، وعلى ما أتذكر كان هذا النص هو مانشيت الصحف اليومية الثلاث الكبرى صبيحة اليوم التالي.
على أية حال رحل السادات برصاص حلفائه السابقين، ليجيء حسني مبارك، تطبيقًا لقاعدة أن مصدر السلطة هو- حصرا- المؤسسة العسكرية، وليؤسس نمط حكم البيروقراطية العسكرتارية، خلفًا للعسكرية الثورية أو السياسية، كما تمثلت في الضباط الأحرار، وفي رئاسة ناصر والسادات، وليبدأ عصر الركود الطويل، وثم ليكرس عملية تحول جمهورية الضباط من مشروع إحياء وطني في الأصل، إلى مشروع احتكار فئوي أبدي للسلطة، وفي غضون ذلك فلا مانع من اعتبار هذه السلطة شأنا عائليًا، حتى فاجأته وفاجأتنا ثورة يناير 2011 فإلى مقالنا التالي.
<p>The post متى يرحل نظام يوليو إلى ذمة التاريخ؟ انقلاب أنور السادات على نفسه (10) first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360