متي يرحل نظام يوليو إلى ذمة التاريخ؟ آليات تقزيم المجتمع (10)
Back
ما يعرفه ريفو عن الخبر
- استخدم نظام يوليو آليات متعددة لتقزيم المجتمع المصري وإخضاعه للحكم السلطوي.
- شملت هذه الآليات الاعتقالات السياسية، والعزل السياسي لفئات معينة، وفرض الحراسة على الممتلكات الشخصية.
- أدت قرارات التأميم في عهد ناصر إلى تقويض الرأسمالية الوطنية وقتل روح المبادرة في المجتمع.
- أدت هذه السياسات إلى استمرار حالة الفراغ السياسي المزمن حتى يومنا هذا.
في مقال سابق في هذه السلسلة قلنا إن ضباط يوليو ١٩٥٢ ورثوا مجتمعًا سياسيًا فوارًا إلى حد الفوضى، مقابل نظام سياسي مهترئ إلي حد العجز بل العقم، وقلنا في مقالات تالية إنهم أيضًا كرهوا التعددية السياسية، وشرحنا أسباب هذه الكراهية، ورأينا أنه بالرغم من وجاهة بعض هذه الأسباب، فإن مصادرة التعددية لم تمنع اختراق القوى الكبرى والإقليمية للساحة السياسية المصرية، حتى في أيام جمال عبد الناصر نفسه، و إلى أن أصبح النفوذ الأجنبي هو القاعدة منذ فتح أنور السادات الباب على مصراعيه للتحالف الأمريكي السعودي في الشرق الأوسط للتأثير في الحياة السياسية المصرية.
في ذلك السياق، تحدثنا عن امتداد كراهية الضباط للتعددية من الأحزاب السياسية الي منظمات المجتمع المدني المستقلة، التي استتبعت بطريقة أو أخرى للسلطة، من خلال الأجهزة الأمنية، سواء النقابات المهنية والعمالية، أو الغرف التجارية والصناعية، بل والجمعيات العلمية الأكاديمية، وقطاع التعاونيات، وأخيرًا منظمات العمل الخيري الطوعية، وذكرنا من باب السخرية المريرة، ومن باب تأكيد تلك الحقيقة المرة أنهم لم يطيقوا حتى جمعية الرفق بالحيوان.
ومع كل ذلك – وهو كثير ومؤلم – فلم تكن هذه هي فقط آليات تقزيم المجتمع المصري، لإخضاعه بالكامل، وحتى يومنا هذا للحكم السلطوي، برغم الاختلاف بين توجهات تلك السلطوية اجتماعيا ووطنيا من حقبة يوليوية إلى أخرى، إذ أضيفت اليها آليات أخرى عديدة وجديدة وعجيبة.
في مقدمة تلك الآليات الاعتقالات السياسية بالطبع، وقد تطرقنا إليها، ولأن تلك الاعتقالات لم تكن كافية في نظر سلطوية النظام الناصري، فقد استحدث مبدأ العزل السياسي لفئات بعينها، أطلق عليهم وصف أعداء الشعب، وذلك تحت شعار هلامي تضع أجهزة الأمن معاييره، وهو الحرية كل الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب.
بموجب هذا العزل السياسي لم يكن من حق الخاضع له التصويت في أية انتخابات، وليس فقط الحرمان من الترشح، كما كان ممنوعًا من مجرد عضوية التنظيم السياسي الواحد، وفيما بعد أصبحت هذه العضوية هي صك المرور الي عضوية النقابات المهنية والعمالية، والغرف التجارية والصناعية.
ومن المفهوم طبعًا أن نظام العزل السياسي هذا طبق على الإقطاعيين القدامى، وأسرهم، وعلى كبار الرأسماليين الذين أممت مصانعهم أو متاجرهم، وعلى كبار سياسيي العهد السابق على يوليو ١٩٥٢، وكذلك على أعضاء التنظيمات المحظورة كجماعة الإخوان المسلمين، وسائر التنظيمات الشيوعية، طبعًا عدا المنشقين أصلا على تلك التنظيمات.
ليس ذلك فحسب أيضًا، بل أضيف إلى العزل السياسي عقوبة أخرى، ربما تكون أقسي معيشيًا، وهي فرض الحراسة السياسية والإدارية (وليس القضائية) على الممتلكات والثروات الشخصية والعائلية، مع ملاحظة أنه إذا كان للعزل السياسي معايير محددة، فإنه لم تكن هناك معايير محددة لفرض الحراسات، ما فتح الباب للتوسع في فرضها لأسباب خاصة أو انتقامية أو انتهازية، وكان بعض تلك الأسباب مخجلًا، وأترك المعني هنا لفطنة القارئ.
وقد كان إلغاء الحراسات بالذات من أول قرارات أنور السادات لتقديم نفسه إلى المجتمع، بعد أن خلف جمال عبد الناصر في رئاسة الجمهورية، وكان ذلك أيضًا من حيثيات صراعه الناجح ضد من سماهم بمراكز القوة، وكانت مظالم الحراسات تحديدا هي ما قصده بقوله إنه “ورث البلد مجَّرحة”.
يبقى من آليات تقزيم المجتمع ما نوهنا به باقتضاب في المقال السابق مباشرة، ووعدنا بتناوله بمزيد من الشرح في هذا المقال، أي الضربات المتوالية للرأسمالية الوطنية، إذ على الرغم من أن الميثاق اعتبرها من القوى المؤسسة لتحالف قوى الشعب العاملة جنبًا غلى جنب مع العمال والفلاحين والمثقفين والجنود، فإن ثقة النظام فيها في المرحلة الناصرية كانت شبه معدومة، وقد تزايد الشك في هذه الفئة بعد انفصال سوريا عن دولة الوحدة مع مصر، إذ ثبت أن كبار التجار والرأسماليين السوريين كانوا في مقدمة القوى المحرضة علي الانفصال والممولة لرجاله، ولذلك جاءت التأميمات المسماة بالقرارات الاشتراكية في مصر عام 1964 لتعصف بالرأسمالية الوطنية، التي تسمي أحيانًا بالرأسمالية المتوسطة والصغيرة، في القطاعين الصناعي والتجاري.
وقد امتدت هذه القرارات لتصل دون مبرر إلى المستشفيات الخيرية، ومستشفيات الإرساليات الأجنبية، وبلغت حد الهزل حين امتدت الي المقاهي والمطاعم الكبيرة نسبيًا كمحال جروبي والأمريكيين، وإلى فرق السيرك والفنون الشعبية، وشركات الإنتاج الموسيقي والسينمائي… إلخ.
كان مؤدي تلك القرارات ليس فقط تدهور الأداء، وحرمان الاقتصاد والمجتمع من سلع استهلاكية جيدة الصنع، ومن خدمات صحية وثقافية وتعليمية متميزة، ولكن أيضًا من خبرات إدارية وعلميّة وتكنوقراطية بالغة الأهمية، وبالغة التقدم في تأسيس المشروعات وإدارتها وتوسعتها، والأخطر كان قتل روح المبادرة، وتبديد التراكم الرأسمالي والمؤسسي، الذي حققه المجتمع منذ بداية القرن العشرين.
بتلك الآليات نجح الأداء السلطوي لنظام يوليو في تقزيم المجتمع من كل النواحي، وفي كل المجالات، وهو ما استمر مع كل خلفاء عبد الناصر دون استثناء، وأدى بنا إلى الاستمرار في مر الشكوى من حالة الفراغ السياسي المزمن، والدوران في الحلقة اليائسة ما بين الدولة الأمنية السلطوية، وبين البديل المضاد لقيم الحداثة من وطنية ومواطنة ومسئولية ومساءلة وذلك حتى يرحل النظام اليوليوي حقًا الي ذمة التاريخ، فكيف ومتى يحدث ذلك؟!
لنواصل معا التفكر والاجتهاد.
<p>The post متي يرحل نظام يوليو إلى ذمة التاريخ؟ آليات تقزيم المجتمع (10) first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360