مجلس المنافسة يحذر من التضييق على نطاق تدخل المحامي ويوصي بتوحيد واجبات الانخراط
أوصى مجلس المنافسة في رأي جديد يتعلق بمشروع قانون المحاماة المثير للجدل، صادق عليه أمس الثلاثاء، بمراجعة صياغة المادة 33، « بما يرفع الغموض القائم ويمنع أي تأويل قد يؤدي إلى تضييق غير مبرر على نطاق تدخل المحامي في مجال تحرير العقود، وذلك في اتجاه تكريس مقاربة تعاقدية مرنة تعزز موقع المحامي كفاعل قانوني محوري في تأطير النشاط الاقتصادي للمقاولة ».
واقترح المجلس « تحديد نطاق الاختصاص التعاقدي بما يضمن شمول اختصاص المحامي لمختلف العقود والاتفاقيات، بما في ذلك المرتبطة بالنشاط الاقتصادي والتجاري والمدني، مع استثناء العقود والتصرفات المرتبطة بالحقوق العينية العقارية ».
ودعا المجلس إلى « الأخذ بعين الاعتبار الإشكالات العملية والقانونية التي أثارتها الجهات المستمع إليها بشأن إسناد هذا الاختصاص للمحامين، والحاجة إلى الحفاظ على وضوح توزيع الاختصاصات بين المهن القانونية المنظمة ».
إقرأ أيضا: مجلس المنافسة ينتقد اختلالات « سوق » المحاماة
وأوصى رأي المجلس، بـ »مراجعة نطاق اختصاص وكيل المهن الرياضية والفنية الممنوح للمحامي، بما يضمن وضوح الحدود الفاصلة بين النشاط القانوني الخاضع لقواعد التنافي المهني والنشاط ذي الطبيعة الاقتصادية القائم على الوساطة والتفاوض والتدبير التعاقدي ».
وحث رأي مجلس المنافسة على « حصر هذا الاختصاص في إطار الشؤون القانونية المرتبطة بالمهن الرياضية والفنية، بما يحد من أي خلط قد يؤثر على شفافية قواعد المنافسة داخل هذا السوق، ويضمن وضوح الأدوار بين الفاعلين المعنيين ».
الواجبات المالية للانخراط
علاوة على تدابير التعديل المباشرة المرتبطة بمشروع القانون 66.23، أوصى المجلس باتخاذ مجموعة من التدابير ذات البعد الاستراتيجي كجزء من استراتيجية شاملة وهيكلية لتحديث المهنة، مع إشراك كافة الفاعلين لضمان نجاعة التنزيل.
وأوصى المجلس بإعادة النظر في واجبات الانخراط في مهنة المحاماة، في اتجاه ملاءمتها وتوحيدها ضمن سقف وطني مرجعي، بما يحد من التباينات القائمة بين الهيئات المهنية ويعزز مزيدا من الموضوعية والوضوح، مع الحفاظ على التوازن بين متطلبات تمويل التمثيليات المهنية وتيسير ولوج المهنة، وتفادي تحول هذه الواجبات إلى عائق مالي قد يفضي إلى تمييز غير مبرر بين المؤهلين.
واستأنس المجلس في هذا الإطار، بـ »الممارسات المقارنة التي تعتمد في الغالب رسوما ذات طابع إداري محدود عند التسجيل، إلى جانب أنظمة اشتراكات مهنية دورية تتدرج مع تطور النشاط المهني ».
وأوصي المجلس بوضع إطار مرجعي وطني لواجبات الانخراط يحدد سقفا وطنيا موحدا في حدود معايير موضوعية مرتبطة بالكلفة الفعلية للتسيير الإداري للهيئات.
تحفيز التوازن المجالي
ولمعالجة إشكاليات التوازن المجالي للمحامين، اقترح المجلس إقرار منحة التوطين المهني: إحداث نظام تحفيزي ضريبي واجتماعي لفائدة المحامين الشباب، أقل من 5 سنوات ممارسة، الذين يختارون فتح مكاتبهم في الأقاليم والعمالات التي تعاني من خصاص في الكثافة المهنية.
كما أوصى باعتماد صيغ تنظيمية أكثر انفتاحا من خلال إقرار إطار قانوني وتنظيمي يسمح بإحداث مكاتب مهنية متعددة الاختصاصات، تدمج بين المحامين وغيرهم من المهنيين، لا سيما خبراء المحاسبة ومستشاري الضرائب والمتخصصين في المجالات المالية والاقتصادية، على غرار بعض النماذج المقارنة.
ودعا المجلس إلى « الانتقال نحو عرض مهني مندمج يستجيب لانتظارات المستثمرين الوطنيين والدوليين الذين يبحثون عن مخاطب مهني موحد يوفر استشارة قانونية ومالية واقتصادية شاملة، مما يرفع من جودة الخدمة المقدمة للمقاولة ».
وحث الرأي على « تعزيز القدرة التنافسية للفاعلين الوطنيين، وتمكين شركات المحاماة الوطنية من استعادة حصة أكبر من سوق الخدمات القانونية ذات القيمة المضافة العالية، وتقليص الاعتماد على مكاتب المحاماة الأجنبية في العمليات الاستراتيجية ».
واقترح المجلس تحديث بيئة الاستثمار، عبر توفير خدمات قانونية تواكب تعقيدات المعاملات العابرة للحدود وتدعم جاذبية المملكة كوجهة استثمارية، مع الحرص التام على إرساء آليات دقيقة تضمن استقلالية المهنة، والسر المهني، ومنع تضارب المصالح.
التحول الرقمي والابتكار القانوني
وأوصى بنهج مقاربة قائمة على الحكامة الرقمية، عبر إطار تنظيمي مرن يراعي متطلبات الأمن الرقمي ويضمن حماية وسرية معطيات الموكلين، بما يواكب تطور الممارسة المهنية في بيئة رقمية متسارعة. وذلك من خلال التدابير التالية:
ودعا إلى تطوير ميثاق أخلاقي للرقمنة المهنية، يحدد قواعد ملزمة لاستخدام أدوات التكنولوجيا القانونية (Legal Tech)، ويؤطر مسؤولية المحامي عند توظيف التقنيات الرقمية في تقديم الخدمات القانونية، بما يعزز الجودة وحماية مصالح الموكلين.
واقترح رأي المجلس « تشجيع الشراكات التكنولوجية المهنية عبر إرساء إطار مؤسساتي يسمح بتطوير تعاون بين المكاتب المهنية ومزودي الحلول التكنولوجية، تحت إشراف الهيئات المهنية، لتطوير حلول رقمية في تدبير الملفات والتتبع الإلكتروني، بما يراعي متطلبات السر المهني ».
التواصل المرئي والإشهار
وأوصي المجلس بتبني نموذج للتواصل المرئي يتيح للمتقاضين الوصول إلى معلومات موضوعية حول تخصصات المحامين وخبراتهم، مما يحد من ظاهرة عدم تماثل المعلومات ويعزز شفافية السوق.
وحث المجلس على اعتماد آليات إجرائية، منها « إرساء ميثاق التواصل الرقمي المهني يحدد ضوابط الحضور الرقمي للمحامي، المواقع الإلكترونية المهنية، وشبكات التواصل الاجتماعي ».
ويجب أن يرتكز هذا الميثاق، وفق المجلس، « على مبدأ المسؤولية الذاتية، حيث يلتزم المحامي باحترام السر المهني وعدم المبالغة، مع منح الهيئة دورا رقابيا لاحقا، التحقق والزجر، بدلا من الترخيص المسبق المحدود في الموقع الإلكتروني المعرّف للمحامي ».
واقترح المجلس « إرساء لجنة اليقظة الأخلاقية داخل الهيئات المهنية، مهمتها ليس الترخيص، بل مراقبة المحتوى الإشهاري والرقمي لضمان مطابقته لأخلاقيات المهنة »، على أساس أن « تعمل هذه اللجنة كمرجع استشاري يمكن للمحامين الرجوع إليه قبل نشر أي محتوى، مما يضمن أمن المعلومات ويحمي الممارسة المهنية من الانزلاقات الإشهارية ».
كما أوصى المجلس بـ »التمييز بين التوعية القانونية والإشهار التجاري »، وحث على « تشجيع المحامين على نشر مقالات ودراسات قانونية، توعية قانونية، وتصنيف هذا النشاط كنشاط مهني فكري لا يخضع لقيود الإشهار التجاري، طالما أنه يهدف إلى تنوير الرأي العام وتطوير الثقافة القانونية، وهو ما يخدم في الوقت نفسه التعريف بالسمعة المهنية للمحامي ».
الاستدامة المالية للهيئات المهنية
وأوصى المجلس بالاتجاه نحو منظومة خدمات مهيكلة وذات طابع موحد، بما يسمح بالانتقال من تدبير مجزأ على مستوى كل هيئة إلى رؤية مركزية أكثر انسجاما، قادرة على ضمان عدالة الاستفادة وتكافؤ الفرص بين جميع المحامين، مع تعزيز النجاعة والاستدامة المالية للنظام المهني ككل.
واقترح رأي المجلس، « إحداث صندوق ضمان وطني لدعم مكاتب المحاماة، يهدف إلى تقديم ضمانات مالية وقروض ميسرة وأشكال دعم تمكن من تعزيز استقرار وتطوير مكاتب المحاماة، لا سيما لفائدة المحامين الممارسين الجدد، بما يساعدهم على تغطية تكاليف التأسيس والتجهيز والرقمنة، وتعزيز استمرارية مكاتبهم وقدرتها على تقديم خدمات قانونية ذات جودة ».
ودعا الرأي أيضا إلى « تطوير البنيات الرقمية من خلال إحداث صندوق وطني مشترك لتمويل التحول الرقمي لمكاتب المحاماة، توفير برمجيات موحدة، خوادم مؤمنة، التدريب التقني، مما يضمن تكافؤ الفرص في الولوج للتكنولوجيات الرقمية بين المكاتب الكبرى والصغرى ».
وأوصى أيضا بـ »اعتماد تأمين وطني مركزي موحد عن المسؤولية المدنية المهنية للمحامين، إلى جانب التأمين الفردي، بدل تعدد الأنظمة على مستوى كل هيئة »، ثم « إحداث منظومة مركزية موحدة للخدمات الاجتماعية والصحية والتقاعد لفائدة جميع المحامين على الصعيد الوطني ».
وخلص المجلس إلى أن توصياته « ترمي، في جوهرها، إلى إعادة هيكلة الإطار المؤطر لمهنة المحاماة في اتجاه أكثر انفتاحا وشفافية وتوازنا، من خلال تحديث قواعد الولوج بما يسمح بإدماج الكفاءات ذات الخبرة، وتوسيع نطاق الممارسة المهنية في إطار واضح ومضبوط، وتعزيز الحكامة الرقمية والمالية ».
المصدر: اليوم 24
