مدفعية الحروب الناعمة
هناك عبارة تقول: «إذا أردت أن تعرف كيف تفكر أمريكا، اذهب إلى هوليوود»، فالسينما الأمريكية لا تكتفى بعكس الواقع، بل تساهم فى صناعته، وصور الطائرات وهى تصطدم ببرجى مركز التجارة العالمى فى ١١ سبتمبر ٢٠٠١، بدت كأنها مشهد مأخوذ من فيلم كارثى يفوق الخيال، حتى إن المخرج الأمريكى الشهير «روبرت ألتمان»، وصف الهجمات بأنها تقليد الواقع للسينما.
والمفارقة أن هوليوود اقتربت من هذا السيناريو الكارثى قبل وقوعه بسنوات، ففى عام ١٩٩٨، عُرض فيلم «الحصار»، وظهرت مدينة نيويورك وهى تواجه سلسلة من الهجمات، تنفذها خلايا إرهابية.
لم يكن الفيلم نبوءة بهجمات ١١ سبتمبر، ولا توجد أدلة تثبت أنه كان يعرف ما سيحدث، لكنه يكشف أن سيناريو الإرهاب داخل المدن الأمريكية، كان حاضرًا فى الخيال السياسى والثقافى الأمريكى قبل الكارثة، وتنذر بإطلاق مدفعية الحروب الناعمة.
قبل ١١ سبتمبر، كانت هوليوود تملأ الشاشات بإنتاج أفلام عن حروب النجوم، والكائنات الفضائية، ونهاية العالم، وكان الخطر يأتى من خارج الحدود، وبعد الهجمات تغير المشهد، وظهر عدو جديد، إرهابى مجهول، وخلايا نائمة، وطائرات مُختطفة، وجنود يعودون من حرب لا يعرفون كيف تنتهى.
وبعد ١١ سبتمبر، امتزجت الحرب بالإرهاب فى أفلام هوليوود، ودخلت السياسة، ثم الجيوش، ثم الخرائط، وأصبحت السينما جزءًا من منظومة أكبر، والسياسة تصنع المحتوى، والإعلام يشرحه، وهوليوود تمنحه صورًا وقصصًا وبطولاتٍ وأعداء.
لا دليل يثبت أن هوليوود كانت «غرفة عمليات» سرية للحروب الأمريكية، لكن المُؤكد أن الأفلام قادرة على تشكيل الخيال العام، وأن تكرار صورة للعدو يمكن أن يجعلها مألوفة فى وعى الملايين، بل وقد يجعل بعض السيناريوهات التى تبدو خيالية، قابلة للتصور والقبول، عندما تنتقل من الشاشة إلى الواقع.
وبعد ربع قرن، تبدو حصيلة ١١ سبتمبر أكبر بكثير من مجرد لحظة سقوط البرجين، فقد ارتبكت العقيدة الأمنية الأمريكية، وتغيرت صورة العدو، وبدأ عصر طويل من الحروب التى لا تزال آثارها السياسية والإنسانية حاضرة حتى اليوم.
وخلال هذه السنوات، لم تعد الحرب مجرد أحداث تقع فى ساحاتٍ بعيدة، بل أصبحت قصصًا مكررة على الشاشة، لها أبطالها وأعداؤها ومشاهدها ونهاياتها المفتوحة، ومع تكرار هذه الصور، يتشكل وعى بالخطر، وبمن يمثل هذا الخطر، وبالطريقة التى ينبغى أن تواجهه به.
قد لا تكون السينما قادرة على التنبؤ بالمستقبل، لكنها قادرة على تخيله، وحين يتكرر سيناريو الحرب على الشاشة مئات المرات، قد لا يحتاج الواقع إلى اختراع القصة من جديد، يكفى أن يفتح الباب أمام سيناريو سبق أن حفظه الجمهور.
وينبغى ألا نشاهد أفلام هوليوود باعتبارها مجرد مصنع للترفيه والسينما، بل واحدة من أهم المرايا التى تكشف كيف ترى أمريكا نفسها، وكيف تصنع أعداءها، وكيف تستعد نفسيًا للحرب، قبل أن تصل الحرب إلى الميدان.
نقلاً عن “أخبار اليوم”
المصدر: العربية – سياسة





