“مسئولين” آخر زمن
لم يكن محافظ القليوبية الأول الذي تعامل بهذه الطريقة مع موظفين يعملون تحت إدارته، وعلى الأرجح لن يكون الأخير، ما دام بقيت نفس طريقة الحكم والإدارة مستمرة، وقائمة على الاستعراض واللقطة وليس العمل الجاد والإنجاز.
من المؤكد، أن حالة المحافظ ومديرة المدرسة وجهان متناقضان يعبران عن حالة مصر الآن. أولهما: رجل المرحلة بامتياز، الذي يعتمد الشخط والنطر واللقطة والشو، وإساءة معاملة مرؤوسيه هي مسوغات بقاء في منصبه، ومعتبراً أن الإدارة الناجحة تتمثل في إهانتهم، لا في حل مشاكلهم ولا في الاعتراف بالخطأ في محافظته والعمل على تصحيحه.
لم يهتم الرجل بأن يعرف لماذا بقيت المدرسة طوال هذه الفترة بدون حارس أمن لأطفال صغار، ومن المسؤول في محافظته أو حكومته عن ذلك.
ولم يفرق معه أن تكون مدرسة في محافظة متاخمة للعاصمة بلا صرف صحي ولا مياه ولا كهرباء، ولا ينتفض ويقول “سنحقق في الأمر” أو على الأقل “سأعالج فوراً أسبابه”، بدلاً من الصوت العالي وإهانة الناس.
المحافظ مثل كثيرين غيره، عينه ليست على المواطنين، إنما هو قادم لعمل لقطة ومنظر.
ولم يجب عن أي تساؤل قالته “المديرة الصالحة”، واكتفى بجملة ركيكة: “أنتِ عايزه تفهميني إنك بتصرفي على الدولة”.
والحقيقة: نعم، هذا هو الواقع. وإن ما تفعله المديرة الصالحة هو ما يفعله ملايين المصريين في إنفاقهم على الدولة ومشاريعها غير المنتجة، وهي نموذج لحالات كثيرة متكررة.
رسالة المحافظ الكارثية تقول: إياكم أن تعملوا بجدية وتسعوا لحل مشاكل المؤسسات التي تعملون فيها ولو من مالكم الخاص.
وإنه أفضل أن يفعل الجميع مثل المحافظ، أن يكتفوا باللقطة والشو، وأن يرددوا مع المسؤولة السابقة بمحافظة الإسكندرية التي كانت “تصدح وطنية” وتغني في محافظتها “ما تقوليش إيه أديتنا مصر.. نقول حندي إيه لمصر”، ثم أُدينت في قضية فساد.
في مصر، هناك “مدرسة” متغلغلة بين بعض المسئولين، تبدأ عملها بالاهتمام “بسلة الشكليات”: من دهان المبنى وإظهار الشعارات المعلقة على الجدران، إلى جولات التفتيش التي لا تتم إلا تحت عدسات الكاميرات لزوم اللقطة والشو وادعاء الجدية والصرامة.
وهي بالتأكيد مدرسة لم تضبط مرة واحدة، وهي تساهم في تقدم أي بلد.
وقد بدا الأمر لافتاً تكرار اختيار كثير من المحافظين لزيارة المدارس الحكومية والمستشفيات للاستعراض وفرد العضلات، وكأن باقي الهيئات والمؤسسات الحكومية تعمل مثل الساعة وليس بها أي مشاكل. وفقط المدارس والمستشفيات الحكومية هي التي تعاني من المشاكل وسوء الإدارة.
فلم نشاهد محافظاً يكرر جولاته بنفس الهمة في قسم شرطة، ويعلن هناك محاسبة مقصر أو مخطئ، أو يذهب لأي إدارات أخرى داخل محافظته ويتعامل مع المخطئين، مثلما يتعامل مع من يدعي أنهم مخطئون في المدارس الحكومية.
صحيح، أن مدارسنا الحكومية بها أوجه قصور كثيرة، وأن المحاسبة واجبة تجاه أي مقصر مهما كانت مهنته، وأن المعلمين مثل غيرهم لا يجب أن يكونوا على “رأسهم ريشة” وفوق المحاسبة.
إنما يجب أن يُحاسبوا مثل الجميع وفق قواعد، وليس أهواء أو انفعالات شكلية.
وللأسف أن الذي يعرفه الجميع أن المسؤول الأول عن تدهور المؤسسات التعليمية هو عدم إنفاق الدولة بالحد الأدنى المطلوب على التعليم، وأن نقص الإمكانيات وعدم تعيين المدرسين هو أحد أسباب تدهور المنظومة التعليمية في مصر، ولن تحل هذه المشكلات العويصة الجولات الاستعراضية للمحافظين.
مشكلة “زعيق” المحافظ وإهانته لمديرة المدرسة، كما فعل غيره مع أطباء وعاملين آخرين، إنها باتت عاجزة عن التغطية على أخطاء الدولة ومسئوليتها الأولى في تردي حال المؤسسات التعليمية والخدمة الطبية نتيجة قلة ما تنفقه عليها.
إن محاولات كثير من المسئولين تأكيد نظرية أن العيب في الشعب، وإنه كسول لا يعمل ولا ينتج، وإن الحكومة تعمل ليل نهار وتقوم بمشاريع لا يقدرها الناس، باءت بالفشل.
لأن حوار المحافظ مع مديرة المدرسة انطلق من هذه الفرضية “بأنكم السبب” وإن المشكلة في الشعب، ففوجئ بالرد بأن المشكلة “فيهم وليست فينا”، وهو ما هدم التصور المسبق الذي جاء به أمام الكاميرات.
بعيداً عن صوت المحافظ العالي وكلامه المهين للمديرة، فإنه ثبت عملياً وأمام الملايين أن المشكلة في الحكومة وليس الشعب، الذي ينفق من ماله الخاص لتعويض أخطاء وسوء أداء دولته.
وإن ما جرى في مدرسة القليوبية جزء من مشاهد كثيرة متكررة لمسؤولين تعكس نفس المشكلة ونفس الطريقة، وهي أن الهدف ليس المواطن ولا صالح العمل، إنما مشهد استعراضي ينتهي بصوت عالٍ ولقطة أمام الكاميرا دون أي تغيير أو إصلاح في منظومة العمل.
الجهد الحقيقي يجب أن ينطلق من دراسة مشاكل كل المدارس والمستشفيات الحكومية أولاً، ووضع خطة تدريجية لحل ولو جانب منها ثانياً.
وبعدها سيشعر العاملون فيها أن شكواهم على الأقل تُسمع وهناك محاولات لحلها.
أما أن يخاطب العاملون في المؤسسات التعليمية الوزارة والإدارة التعليمية دون أي استجابة، ثم يأتي بعدها المحافظ، بدلاً من أن يحاسب المقصرين في محافظته، فيختار “الحيطة المايلة” أي مديرة المدرسة ليسيء معاملتها، بدلاً من أن يحاسب المقصرين في وزارته.
<p>The post “مسئولين” آخر زمن first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360