مسارح الحرب والسلام!!
كثيرا ما تجرى المشابهة من قبل العسكريين والساسة والأدباء بين حالتى الحرب فى نشوبها وصراعها ومعاركها، والسلام فى استقراره وتسويته للمتناقضات والنظر بتفاؤل لقادم مرح ينهى التصادم ويفتح الطريق لأيام سعيدة؛ وكلاهما مع «المسرح» وما فيه من دراما وكوميديا أيضا. «المسرح» يخلق تناقضات كبرى ومصيرية مكانها فى الواقع الخرائط التى تعكس الأوضاع «الجيوسياسية» والجيواستراتيجية للأطراف المتناقضة فى مصالحها العليا وأمنها القومى. التاريخ هنا يلازم الجغرافيا.
وبينما يقدم عمق التناقض فى الزمن بينما تقوم الثانية بالتأكيد على حدود الأمن والانكشاف. «الشرق الأوسط» هنا يمثل مجمعا كبيرا للتجارب الحقيقية والمسرحية ولا شيء يجسدها قدر الحروب المركبة فوق بعضها البعض حتى تزداد تعقيدا على تعقيدها.
الحالة فى المسرح تكون مصيرها فى النهاية نوعا من انفراج العقدة بعد أن يكون التناقض قد وصل إلى قمته التى يسقط فيها الضحايا، ويسفر الأبطال عن التضحيات.
«الانفراج» فى الواقع يتم عن طريق «المفاوضات» التى يسهلها «الوسطاء» الذين يقومون بالوساطة من أجل مصالح إضافية؛ وهى كما تبدو فى المسرح الشرق أوسطى تتأرجح بين الحرب التى تستهدف الضغط على الخصوم؛ والمساومة التى تعطى «فرصا أخيرة» للتخلص من آلام الحرب.
المعضلة تحدث عندما يكون الألم جزءا أساسيا فى استراتيجية الأطراف؛ فى الحرب الحالية فإن إيران راهنت على «الألم الاقتصادى» فى تحقيق النجاح الذى لم تحققه القوة العسكرية.
الولايات المتحدة هى الأخرى سارت فى ذات الطريق عندما فرضت العقوبات؛ وعندما أخذت فى تقويض قدرات إيران العسكرية لعلها تدفعها إلى القبول بما لم تكن على استعداد للقبول به. وبينما يكون «الألم» يقوم بالتأثير فإنه فى الواقع لا يكون اقتصاديا أو عسكريا فقط، وإنما هو محرك للقوى السياسية وراء جبهات الضغط فى المفاوضات، والقتل فى المعارك. إيران فى الحرب الجارية تعول كثيرا على الانتخابات النصفية فى الكونجرس الأمريكى فى نوفمبر 2026 التى يُنتظر فيها تراجع شديد فى شعبية الرئيس ترامب؛
وفى الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة تعول على حدوث انقسام كبير فى الجبهة الإيرانية بين «المعتدلين» و«المتشددين» والدفع نحو انكشاف قيادات الحرس الثورى الإيرانى حيث يمكن التخلص منها كما حدث فى الأيام الأولى من الحرب أو أنها تفقد أمام الشعب الإيرانى القدرة على حمايته من القوة الأمريكية.
«المسرح» فى الخيال والواقع يسمح كثيرا بدخول أطراف جديدة لها قصتها التى تضيف للدراما ما يسرع الوصول إلى العقدة الكبرى للحدث التاريخى. فى الخيال قد يكون الضيف هو القاتل الحقيقى أو الذى يقبل بالثروة المفاجئة؛ ولكنه فى الواقع الشرق أوسطى فإن إسرائيل حاضرة بقوة منذ بداية المسرحية ومنفردة بمشاهد حرب غزة المدمرة؛ ولكنها ظلت بعيدة عن التدخل فى الحرب الإيرانية الأمريكية. إسرائيل باتت لها أدوار تتعلق بمفاوضات التخلص من سلاح حماس مقابل الانسحاب من غزة حيث تحتل 70٪ من أراضى القطاع. نص المسرحية فى هذه الحالة أمريكى جاء فى مبادرة السلام التى جرى التوقيع عليها فى شرم الشيخ المصرية فى أكتوبر2025 ومن ثم فإن واشنطن بات عليها أن تخرج من المسرحية الكبرى التى تقع بين الخليج العربى والبحر الأحمر، وما بين المضيقين: هرمز وباب المندب.
الشخصيات الكبرى فى المسرحية العظمى كثيرة، ولكن مزاحمتهم تأتى من شخصية واحدة هى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الذى يظهر على المسرح على مدار الساعة من شرفات طائرة الرئاسة أو من البيت الأبيض. الشخصية لا يوجد لها مثيل بين رؤساء الولايات المتحدة منذ قيامها قبل 250 عاما حينما كان «جورج واشنطن» محررا ورئيسا؛ هو ليس جنرالا ولا محاميا ولا عضوا بارزا فى أحد الحزبين الديمقراطى والجمهورية، هو شخصية حدية فى ذاتها تظهر دائما على المسرح، وفى الواقع فإنه تعرض لثلاثة محاولات للاغتيال.
لكل دراما شخصياتها بالطبع، وفى الحرب الأمريكية الإيرانية فإن المقابل الإيرانى للأمريكى هو «مجتبى خامنئى» الذى اختفى منذ اختياره مرشدا عاما للدولة وقبلها كان اختفاؤه نتيجة الغارة الأولى فى الحرب التى قضت على 43 من القيادات الإيرانية وحيث فقد والده المرشد «على خامنئى» مع مجموعة من أسرته. هو الغائب الحاضر فى أكبر مسرحيات الشرق الأوسط الحربية؛ هو الشخصية التى لا يعرف أحد أين يوجد وما هى حالته الصحية ولماذا لا يظهر وجهه أو توجد إشارة عنه حتى بلقاء مع وزير الخارجية الإيرانى الذى يتلقى تعليماته دونما صوت. شخصيات مثل بنيامين نتنياهو ومعه بن جافير وسمو تريتش الممثلون للتطرف الدينى على الجانب الإسرائيلى؛
وخليل الحية رئيس حماس والرئيس محمود عباس على الجانب الفلسطينى؛ وجميعهم يستعدون لانتخابات عامة خلال الخريف المقبل وعليها سوف تقوم كثير من المصائر.
بالطبع فإن هذه ليست كل الشخصيات المؤثرة فى المسرحية أو الواقع؛ وهناك الكثير التى تلعب أدوارا أساسية وأخرى ثانوية ولكنها ليست قليلة التأثير.
«عبد الملك الحوثى» يمثل الكثير من المليشيات التى تقلب المنطقة رأسا على عقب ولكنها لا تلعب دورا فى بناء دولة يمنية موحدة وتحب أن تبقيها مقسمة!!.
نقلاً عن المصري اليوم
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)