مستقبل المضايق المائية الدولية
تمثل المضايق المائية الدولية شرايين الحياة الاقتصادية والنشاط التجارى الدولى المعاصر، وقد شرعت دول مختلفة فى تأكيد سيادتها على المضايق التى تمر بأراضيها، خصوصًا أن تلك المنافذ البحرية من نوعين، النوع الأول هو المنافذ التى صنعتها الطبيعة مثل مضيق هرمز ومضيق جبل طارق، والنوع الثانى هو الذى حفرها الإنسان مثل قناة السويس وقناة بنما، والمضايق تربط القارات وتختصر طرق النقل والتجارة على نحو عرفه الإنسان منذ قرون طويلة، ونحن ندرك أيضًا ان البسفور والدردنيل فى تركيا هما ممران يمثلان متعة للسياحة قبل أن تكون ميزة للتجارة، أما مضيق باب المندب فقد كانت له أهمية كبرى فى الجانب الاقتصادى كرابط بين المحيط الهندى والبحر الأحمر إلى أن حفر الفلاح المصرى قناة السويس فى عهد الوالى محمد سعيد ابن محمد على وابن أخيه الخديو إسماعيل بعد ذلك، وقد بدا واضحًا لكل ذى بصيرة أن هناك محاولات لسيطرة القوى الكبرى وهيمنة بعض الدول على تلك المضايق فقد كانت إشارات دونالد ترامب الرئيس الأمريكى الذى خلط بلا وعى بين قناة السويس وقناة بنما ما يوحى بذلك زاعمًا أن الأمريكيين هم من حفروا قناة بنما ولكن لا هو ولا غيره يستطيع أن يتطاول على التاريخ الواضح والجهد الموثق لحفر قناة السويس التى راح ضحيتها قرابة المائة ألف من العمال المصريين الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لذلك المشروع الاقتصادى الضخم، ولابد أن نعترف أن وجود الممرات المائية مخترقة أراضى بعض الدول هو فى حد ذاته عبٌء استراتيجى قبل أن يكون ميزة تجارية، وقديمًا قال بعض المؤرخين المعاصرين إننا نريد قناة السويس لمصر وليس العكس بأن تكون مصر رهنًا لتلك القناة وأصحاب الأطماع فيها، وإن كنا نسلم بأن وجود قناة السويس فى الأراضى المصرية تمثل ميزة ضخمة من كل الجوانب وما أكثر المعارك الجانبية والمواجهات الإقليمية التى حدثت حول الممرات المائية وبسبب الصراع للسيطرة عليها، ولا شك أن قصة قناة السويس فى التاريخ المصرى الحديث هى واحدة من أكبر فصوله، لأنها تمثل إغراءً للسيطرة على مقدراتها، وما زلنا نتذكر الفاتورة الغالية التى دفعتها مصر منذ عام 1967 حتى عام 1975 عندما افتتح الرئيس الراحل السادات قناة السويس معلنًا أن مصر قد أكدت نجاحها الكامل فى إدارة القناة فى ظل الإدارة الوطنية لها، ولكن الأطماع خصوصًا فى تلك الفترة من تاريخ العالم قد تجاوزت الحدود المألوفة، وأصبح السطو على مياه الأنهار قرب المنبع ظاهرة عابرة للدول، كما أن الرغبة فى فرض رسوم استثنائية على السفن العابرة قد تجاوز أيضًا الحدود، خصوصًا على الممرات الطبيعية التى لم يصنعها الإنسان، ولكنها جزء لا يتجزأ من الجغرافيا الأصلية للدول إذ إن هناك حالة افتراس واضحة لدى القوى صاحبة الهيمنة والسيطرة على المقدرات المتاحة طبيعيًا فوق خريطة الدنيا.
ولا بد أن نعترف أننا قد بدأنا فى السنوات القليلة الأخيرة صراعًا سياسيًا، بل وعسكريًا أيضًا حول مستقبل المضايق والممرات المائية عمومًا التى أصبحت عبئًا على الدول التى تمر من خلالها، ولا شك أن الرئيس الأمريكى الحالى دونالد ترامب تفتحت شهيته تجاه ملف الممرات المائية والتعامل معها وإذا كانت حرب السويس عام 1956 إيذانًا بتصفية الاستعمار شرق القناة فإنها كانت أيضًا حافزًا للتحرر الوطنى وسيطرة كل دولة على مقدراتها الطبيعية وأصولها التاريخية بحيث ينتهى زمن الخداع مثلما حدث عندما أوهمت سلطات قناة السويس فى ظل عهدها الاستعمارى أحمد عرابى والعرابيين أنها تستطيع ردم القناة أو إغلاقها على الأقل حتى لا تكون ميزة يستفيد منها المحتل الدخيل.
إن الصراع حول الممرات المائية يفتح فصلًا جديدًا حول المستقبل الجيوسياسى فى كثير من مناطق العالم المعاصر فى ظل أوهام تاريخية وسرديات عبثية تتناول تلك المضايق بتفكير أسطورى لا يقدم ولا يؤخر، إن الوطن المصرى يعانى العبث بحقوقه المائية جراء التعنت الإثيوبى والتصرفات الأحادية لحكومة أديس أبابا، ومصر تتدرع بالصبر الاستراتيجى إذا صح التعبير ولا تريد مواجهة عاصفة مع الأشقاء عند منابع النيل ،لكنها فى الوقت ذاته لن تفرط فى حقوقها التاريخية فى مياه النهر الذى نشأت حول مجراه حضارات عظيمة فهو النهر الخالد، كما أن مصر يقظة أيضًا لمشروعات مشبوهة للإقلال من أهمية قناة السويس وإضعاف دورها، فرغم أنها الطريق الأفضل والأكثر أمنًا وأقل كلفةً مادية وبشرية لأنها فى النهاية أحقادٌ تاريخية تراكمت حولنا واستهدفت حقوقنا.
إن اليقظة بأعلى درجاتها مطلوبة من المصريين حتى لا نبكى ذات يوم على اللبن المسكوب، ونقول لقد أُكلنا يوم أُكل الثور الابيض!
نقلاً عن الأهرام
المصدر: العربية – سياسة



