مصر وإثيوبيا وتفاعلات القرن الإفريقي: حرب بلا قفازات
Backملخص الخبر
- تصاعدت حدة الاستقطاب المصري الإثيوبي إلى مستويات غير مسبوقة في ملفات إقليمية وأمنية عديدة.
- أعلنت إثيوبيا عن عزمها بناء أربعة سدود جديدة مما زاد من مخاوف مصر بشأن حصتها من مياه النيل.
- تطورت المواجهة بين القاهرة وأديس أبابا إلى صراع على النفوذ والسيادة في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
- تعتمد مصر استراتيجية تعزيز الشراكات مع دول الإقليم لمواجهة التهديدات الإثيوبية وضمان استقرار المنطقة.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
تصاعدت في الأسابيع الأخيرة حدة الاستقطاب المصري الإثيوبي إلى مستويات غير مسبوقة، وتقلصت إلى حد كبير مساحات المناورة الدبلوماسية، في ظل تصريحات إثيوبية أكثر حدة تجاه القاهرة في ملفات عدة، بدءًا من رؤية أديس أبابا لدور مصر الإقليمي، وصولًا إلى عقدة العلاقات الثنائية الأهم: سد النهضة.
ويأتي هذا التصعيد في سياق سلوك إثيوبي اتسم خلال الفترة الأخيرة، بقدر متزايد من الاضطراب في إدارة العلاقة مع القاهرة، وبمحاولة الربط بين تحركات مصر لتعميق علاقاتها الثنائية مع دول القرن الإفريقي وبين تصور إثيوبي لمكانتها في الإقليم ودورها في تحديد اتجاهات تفاعلاته السياسية والاقتصادية والأمنية، واستمرار نظرة أديس أبابا لنفسها على أنها القوة الحاكمة لإقليم القرن الإفريقي ودوله وصاحبة الوصاية على سياساتها الخارجية، وهي مدعومة من أطراف إقليمية ودولية.
وقد بلغت هذه المقاربة ذروتها مع إعلان أديس أبابا “طرد” دبلوماسي مصري على خلفية اتهامات بتورط القاهرة في الأحداث الداخلية الجارية في إثيوبيا، وهو اتهام يأتي في سياق تصاعد الخطاب الإثيوبي بشأن ما تعتبره أديس أبابا تحركات مصرية تستهدف مصالحها الإقليمية. وهي الخطوة التي ردت عليها مصر بإجراء مماثل.
وجاء بيان الاتحاد الإفريقي في 2 أكتوبر، الذي دعا إثيوبيا وإريتريا ومصر إلى خفض التوتر، ليضيف بعدًا مؤسسيًا إلى الأزمة، قبل أن ترد الخارجية المصرية ببيان انتقدت فيه ما اعتبرته تلميحات بوجود مسؤولية مصرية عن التوتر القائم.
ولا تبدو هذه التطورات في العلاقة بين أديس أبابا والقاهرة منفصلة عن التحول في المقاربة المصرية؛ والتي انتقلت تدريجيًا من سياسة اتسمت بالحذر والحفاظ على قدر من “الاتزان الاستراتيجي” في علاقاتها مع القوى الإقليمية، إلى مقاربة أكثر صرامة في التعامل مع ما تعتبره تهديدًا لمصالحها ومصالح شركائها في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
ومن ثم، فإن المواجهة المصرية الإثيوبية تتسع تدريجيًا لتصبح صراعًا على النفوذ وترتيبات الأمن والسيادة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحركات المصرية الأخيرة، وكذلك ردود الفعل الإثيوبية عليها، باعتبارها ملامح لمرحلة جديدة من المواجهة: حرب بلا قفازات.
تصاعد التوتر الإثيوبي- المصري: رؤية وجيزة
بينما كانت القاهرة تحاول تهدئة مخاوف الشعب المصري من تداعيات عدم حسم ملف سد النهضة وتأمين موارد مصر المائية، عمدت إثيوبيا في أغسطس 2026 إلى تجديد هذه المخاوف بالإعلان عن عزمها إقامة أربعة سدود جديدة، وهو تطور وضع القاهرة أمام لحظة حرجة، وربما حمّل حكومتها قدرًا من المسؤولية جراء «التراخي» في مواجهة إثيوبيا وتعنتها في إدارة ملف سد النهضة، وصولًا إلى مضاعفة هذه التهديدات بسدود جديدة، منها سد على النيل الأزرق، مع تلميحات لمسؤولين إثيوبيين سابقين بأن بلادهم سوف تستغل المياه المخزنة في بحيرة سد النهضة، بما يعني خصمًا مباشرًا من حصة مصر التاريخية من المياه في السنوات المقبلة.
وأمام ذلك، جاءت مواقف القاهرة الواضحة تجاه ملف مياه النيل عبر تصريحات عدد من المسؤولين، مضمونها عدم استعداد القاهرة لأي مساس بحصتها من مياه النيل، ذلك قبل أن تتصاعد الأمور مجددًا مع اندلاع الحرب الأهلية الدائرة في إثيوبيا بين جماعات معارضة مسلحة كونت معًا «تحالف البقاء» الذي يقاتل الحكومة الإثيوبية.
وفي ظل هذا التوتر الداخلي، اتهم قائد الجيش الإثيوبي برهانو جولا مصر، إلى جانب إريتريا والسودان، بالتورط في دعم قوات جبهة تحرير تيجراي التي تقود على الأرض «تحالف البقاء»، وهو الاتهام الذي يبدو أن القاهرة قد تجاهلته، لضحالة حجته من جهة، وربما لتأكيد رسالة مصرية لإثيوبيا بتهافت دبلوماسيتها في أكثر من مستوى.
كما يُفهم من التصعيد الإثيوبي والاتهامات المرسلة ضد مصر، بدءًا مما تدعيه أديس أبابا بشأن مساعي القاهرة لمنعها من الوصول إلى البحر الأحمر، مرورًا باتهامها مصر بالتحالف مع إريتريا والسودان ضدها، ثم الرد بمحاصرة مصر مائيًا، وصولًا إلى ما ورد مؤخرًا، مطلع أكتوبر الجاري، عن تكوين لجنة لتقييم الأضرار التي لحقت بإثيوبيا جراء السياسات المصرية المائية، أو هو ما يعني أن أديس أبابا ضاقت ذرعًا بمجمل السياسات المصرية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ولا سيما رفض القاهرة القاطع فرضيات مبادلة وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر، بشروط سيادية، بتسوية ملف مياه النيل. مع إدراك إثيوبيا أن الدبلوماسية المصرية تؤتي ثمارها خطوة وراء أخرى في الصومال وجيبوتي وإريتريا، إضافة إلى الصلة التاريخية الثابتة بين مصر والسودان، بغض النظر عن متغيرات الحكم فيهما.
القاهرة ومواجهة المراوغة الإثيوبية
بعيدا عن مجريات الحرب الأهلية الدائرة في إثيوبيا، وحقيقة أن قوى دولية وخليجية لن تسمح في نهاية المطاف بسقوط نظام آبي أحمد رغم سياساته الإقليمية التي تقوم على زعزعة استقرار وسيادة دول الجوار، فإن على القاهرة التحرك بوتيرة أسرع لمواجهة التهديدات التي تلحق بمصالحها ومصالح الدول الصديقة لها في القرن الإفريقي.
وتتمثل المواجهة في البناء على خطوات سابقة اتخذتها وتعميق الشراكات مع جميع دول القرن الإفريقي، مع التأكيد على حقيقة أن الشراكات تدعم العمل الجماعي الإقليمي، وتعد نموذجًا للتعاون الإفريقي القائم على احترام مبادئ حركة الوحدة الإفريقية، وأبرزها عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية، واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، وهي مبادئ توضح خطورة الانتهاك الإثيوبي لها.
وإيضاح هشاشة أوضاع دول القرن الإفريقي إزاء سياسات إثيوبيا، مثل مساعي الاستيلاء على ميناء بحري بالقوة العسكرية في إريتريا أو الصومال، وتسهيل أنشطة ميليشيات الدعم السريع في شرقي السودان، غير الملف الرئيسي وهو الإضرار بمصالح المصريين عبر الإعلان المتكرر عن الجنوح لاستخدام مياه النيل سلاحًا ضد “النظام المصري”.
ثانيا، تأكيد قدرة القاهرة على مقارعة سياسات زعزعة استقرار دول القرن الإفريقي بسياسات توازن واستقرار قائمة على مبادئ العمل الجماعي؛ وأن خطوة تقديم مصر المساعدات العسكرية والاقتصادية لجمهورية الصومال لمواجهة التحديات التي تواجهها مثل الجماعات الإرهابية أو المطالب الانفصالية المدعومة من الخارج، من الإمارات وإسرائيل وغض طرف تكتيكي من قبل واشنطن، هذه المقاربة من القاهرة يمكن أن تجد إطاراً مشتركا للعمل في قطاعات البنية الأساسية والنقل البحري والتعدين والتعاون العسكري والأمني، وصولا إلى ملف تداعيات التغير المناخي.
ثالثا، وضع القوى الدولية الكبرى المعنية بالقرن الإفريقي أمام مسؤولياتها الحقيقية في الإقليم، ويمكن أن يكون ذلك عبر تبني “أجندة إقليمية موحدة” تقوم مصر ودول الإقليم، بصياغتها وطرحها أمام هذه القوى باعتبارها صياغة الدول المعنية لتخوفاتها من عواقب التدخل الخارجي السلبي في شؤونها، وتطلعاتها لشراكة دولية عادلة.
رابعا، ضرورة مراجعة دولاب عمل الآليات الإفريقية، والتأكيد على ضرورة أن تعبر مفوضية الاتحاد الإفريقي عن مجمل مصالح الدول الأعضاء ورؤاها، والتوصل لسبل إجرائية ناجعة لمنع الافتئات على سيادة دول القرن الإفريقي وعدم الاكتفاء ببيانات من آن لآخر لا تضمن منع هذا الإفتئات مستقبلًا، وفى هذا السياق يمكن طرح نموذج بيان مفوضية الاتحاد الإفريقي الأخير، واعتباره مثالًا على خلل عمل الاتحاد وخطورة “النفوذ” الإثيوبي في هذا العمل، خاصة وأن البيان أشار إلى مطالبة إثيوبيا كل من إريتريا ومصر بالامتناع عن تصعيد التوتر، وهو يسلم تسليمًا تاما بالرواية الإثيوبية، ولم يشر إلى الاعتداءات الإثيوبية “اللفظية” ضد القاهرة في الأسابيع الأخيرة.
إضافة إلى البناء على ما أكده وزير الخارجية بدر عبد العاطي (3 أكتوبر) من أن مصر تعتمد مبدأ عدم التدخل في الشؤون الإثيوبية (وغيرها من الدول الإفريقية) الداخلية كقاعدة قائمة ومطبقة، خاصة مع عجز إثيوبيا عن تقديم أدلة على تدخل مصر.
خامسا، مواجهة التهديدات الإقليمية من خارج الإقليم عبر تنسيق العمل الإقليمي مع دول القرن الإفريقي، ومراجعة التزامات القاهرة مع عدد من الدول التي تخل بهذا التنسيق بشكل مباشر. وعلى سبيل المثال علاقات مصر مع الإمارات التي تكتسب تعقيدًا خاصًا، مع ملاحظة تجاوز الإمارات في رؤاها وعلاقاتها مع إسرائيل وإثيوبيا صلب دوائر الأمن القومي المصري في البحر الأحمر والقرن الإفريقي بشكل مقصود، ينتقل من ملء الفراغ كمبرر تقليدي إلى ما يمكن تسميته “بالحرب بالوكالة” ضد مصالح مصر في هذه المنطقة.
قمة “العلمين إفريقيا للأعمال” وآفاق تعزيز علاقات مصر بدول القرن الإفريقي
تقدم القمة التي أعلنت مصر عن استضافتها لتضم قادة كل من الصومال وإريتريا والسودان خلال فعاليات قمة “العلمين إفريقيا للأعمال” تجسيدًا حقيقيًا لسعي مصر تعميق علاقاتها مع تلك الدول، إضافة إلى جيبوتي التي اعتذر رئيسها عن عدم الحضور، ويأتي ذلك بالنظر إلى توقيت القمة (4 أكتوبر)، في ظل تقارير أولية تؤشر إلى استعادة القوات الفيدرالية الإثيوبية زمام الأمور في المناطق التي شهدت اضطرابات؛ وهو ما يعني أن العمل الجماعي بين الدول المشاركة لا يتعلق من قريب أو بعيد بالأزمة في إثيوبيا أو شؤونها الداخلية وإنما تخص أطرافها .
ويتضح ذلك في المشاورات الأولية بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي والإريتري أسياس أفورقي (3 أكتوبر)، على أهمية التعاون الاقتصادي والاستراتيجي بين هذه الدول في سياق أولوياتها واهتماماتها، ثم ما أعلنه الصومال من تطلع رئيسه حسن شيخ محمود خلال لقائه مع السيسي في العلمين (3 أكتوبر) إلى تعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، التي وقعت في يناير 2025، وأنها لا تعني بالضرورة أية أعمال موجهة ضد إثيوبيا، مع ملاحظة أن زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة جاءت بعد ساعات من تصريحات له تعهد خلالها بانفتاح بلاده على منح إثيوبيا نفاذًا للبحر بشروط تحترم سيادة بلاده.
لكن ورغم ذلك، دول القمة تؤكد على مواجهة حزمة من التهديدات الأمنية والعسكرية التي تهدد الإقليم بشكل عام مثل الجماعات الإرهابية وجماعة الحوثي الموالية لإيران والنشاطات الإسرائيلية الإماراتية المناهضة لسيادة دول الإقليم، وضرورة وضع ضمانات لوقف مثل هذه الانتهاكات عبر آليات للعمل الإقليمي سواء عبر منظمات قائمة مثل “إيجاد” أو التحالف الدفاعي عن البحر الأحمر. وإعلان القاهرة من جانبها التأكيد على مواقفها الثابتة تجاه مختلف القضايا في السودان ودول القرن الإفريقي، باحترام سيادة الدول الإفريقية وحدودها وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ووضع الاتحاد الإفريقي أمام مسؤولياته الحقيقية.
<p>The post مصر وإثيوبيا وتفاعلات القرن الإفريقي: حرب بلا قفازات first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360