مصر والسودان وحادث “الدهابة”: احتواء دبلوماسي وتوتر شعبي وتوظيف إقليمي
رجوعملخص الخبر
- أظهرت غارات جوية مصرية استهدفت موقعاً للتنقيب عن الذهب قرب الحدود مع السودان سقوط قتلى وإصابات متفاوتة في أعدادها.
- أكدت القاهرة أن الهجمات استهدفت مهربين ومنقبين غير شرعيين ضمن حملة أمنية لمكافحة التعدين غير القانوني في الصحراء الشرقية.
- أجرت وزارتا الخارجية المصرية والسودانية اتصالات دبلوماسية للتأكيد على احترام سيادة البلدين ووحدة أراضيهما والتحقيق في ملابسات الواقعة.
- تسببت الحادثة في توتر شعبي وتوظيف إقليمي، مما وضع العلاقات الثنائية أمام تحديات في احتواء الغضب العام وتداعيات الصراع الإقليمي.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
في 10 أكتوبر الجاري، استهدفت خمس غارات جوية موقعًا للتنقيب الأهلي عن الذهب قرب الحدود المصرية السودانية، وأسفرت، وفق مجموعة «محامو الطوارئ» السودانية، عن مقتل 72 سودانيا ممن يشتبه في تنقيبهم بشكل غير شرعي عن الذهب، بينما أعلنت شبكة أطباء السودان حصيلة أولية بلغت 13 قتيلًا و28 مصابًا، دون تحقق مستقل من أي من الرقمين.
تقول مصادر مصرية إن الهجمات وقعت على مهربين ومنقبين ينشطون في مثلث حلايب. ولم تحدد القاهرة رسميا موقع الضربة، مكتفية بإعلان تنفيذ المرحلة الثالثة من حملة مكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية.
وفي ظل الغضب السوداني وتداعيات الحادث، تحركت القاهرة والخرطوم دبلوماسيًا لاحتواء الأزمة، عبر اتصالات بين وزيري الخارجية، المصري بدر عبد العاطي والسوداني محيي الدين سالم، في 12 أكتوبر، أكدا خلالها احترام سيادة البلدين ووحدة أراضيهما وسلامة حدودهما. وتزامن ذلك مع إعلان الجانبين إجراءات للتحقيق في ملابسات الواقعة.
وفي بيانها، شددت القوات المسلحة المصرية على عمق الروابط بين الشعبين، ودعت إلى تحري المعلومات من مصادرها الرسمية، محذرة من الشائعات والأجندات التي تستهدف العلاقات الثنائية.
يتناول هذا التقرير الحادث في سياق مقاربة القاهرة لأمن الحدود، ويحلل تعامل الحكومتين المصرية والسودانية معه، وفرص احتواء تداعياته على العلاقات الثنائية والرأي العام في البلدين.
قصف “الدهابة” وسياقات الأزمة السودانية
تأتي الحادثة في سياق الحملة المصرية المعلنة لمكافحة التنقيب غير المشروع والتهريب، وفي ظل تداعيات الحرب السودانية على أمن الحدود ومسارات الإمداد إلى قوات الدعم السريع.
مصريا يمكن ملاحظة التحركات والاستنفار الأمني بعد سقوط مدينة الفاشر في أكتوبر 2025، وما رافقها من تهديدات وجهها قائد ميليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو ضد مصر، وما وصفه وقتها بقدرته على ضرب مواقع “بالدولة التي تنطلق منها طائرات تهاجم قواته”.
هذه التهديدات مثلت نقطة فاصلة في مقاربة مصر للحرب الدائرة في السودان، ووضعت أمن الحدود الشرقية والجنوبية والغربية في بؤرة التركيز.
ومنذ ذلك التوقيت، بدا الانتقال إلى النظر بجدية أكبر لتهديدات هذه الميليشيا، وطبيعة أدوار القوى الإقليمية الواقفة خلفها بشكل مباشر أم عبر “وسطاء” في ليبيا أو تشاد أو دول جوار أخرى، وما يمكن أن تفرضه من تهديد مباشر لأمن مصر القومي، يستدعي التحرك الميداني.
واتضح هذا التغير في إقدام القاهرة، حسب تقارير متفرقة لم يعززها إعلان رسمي مصري، مطلع العام بقصف قوافل إمداد ومواقع لعناصر شبه نظامية خلال انتقالها من جنوب شرق ليبيا إلى السودان، ووضعت هذه الضربة نهاية شبه حاسمة لسبل الإمداد للميليشيا من الغرب.
فيما يخص الحدود جنوبا وشرقا، أشارت بيانات رسمية صادرة من القاهرة عن استمرار قيام القوات المسلحة المصرية بحملات أمنية مكبرة ضد جماعات من المهربين والمُعدنين وعناصر مسلحة دأبت على انتهاك الحدود الدولية بين مصر والسودان، ومن بينها ما وصفه شهود عيان سودانيون على الحادث الأخير بعمليات تفقُد شنتها قوات حرس الحدود المصرية في حلايب وشلاتين على أطراف المثلث في ولاية البحر الأحمر السودانية، كان آخرها إعلان عن الضربة الأخيرة ضمن حملتها المكبرة الثالثة في المناطق الحدودية.
بينما أكدت تقارير محلية سودانية وجدت طريقها إلى منافذ إعلامية مؤثرة مثل صحيفة النيويورك تايمز، أن الضربة شُنت ضد موقع ناء في ولاية البحر الأحمر “على مسافة 25 ميلا من خط الحدود المصرية- السودانية”.
ويلفت النظر هنا أنه فيما كرر مجلس السيادة السوداني في بيانه بخصوص الحادث مقتل 72، حسب إحصاء “جهات حقوقية سودانية”، إلا أن تقريرا آخر للسودان تريبون رفع العدد حسب من وصفته بشاهد عيان، إلى أكثر من 200 ضحية.
بينما يشير تقرير بثته وكالة أسوشيتد برس بعد الحادث بيوم (11 أكتوبر) استند على شهادات مسئولين طبيين قرب الموقع، بمقتل “ما لا يقل عن 13 من عمال المناجم وإصابة 28 آخرون.
هذا الأمر يعبر عن تفاوت كبير في تقديرات الأرقام ويثير تساؤلات حول أسباب هذا التفاوت، أخذًا في الاعتبار تواصل الوكالة بالفعل مع عدد من الناجين من الحادث.
كما أن اتفاق التقارير المختلفة على التنبيه المتكرر من قبل القوات المصرية للعاملين في الموقع يؤكد إلى حد كبير أن موقع الحادث داخل الحدود المصريةـ في مثلث حلايب وشلاتين “المتنازع” عليه بين البلدين.
على أي حال، فإن الحادث بملابساته التي لا تزال قيد التوضيح ترقبًا لنتائج بعثة تقصي الحقائق التي أمر بتكوينها رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان، يمثل اختبارا حقيقيا لوثاقة الصلة بين القاهرة والخرطوم في وسط تقلبات إقليمية متزايدة، وبعد أيام قليلة من قمة العلمين التي أكدت على ضرورة حماية سيادة وحدود الدول الإفريقية، وهو البند الذي كرر التأكيد عليه وزير الخارجية المصري في محادثاته مع نظيره السوداني.
وبعدها كرر وزير الخارجية المصري هذا المعنى مع جبريل إبراهيم وزير المالية السوداني على هامش اجتماعات الخريف للبنك الدولي في تايلاند (16 أكتوبر).
توظيف إقليمي
تلقفت منافذ إعلامية سودانية وإقليمية وإثيوبية على وجه الخصوص كما يتضح من متابعة سلسلة من التقارير التي نشرتها وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، الحادث باعتباره دليلًا على ما وصفته باستغلال القاهرة لعلاقاتها الوثيقة مع مجلس السيادة السوداني لتمرير حزمة من مصالحها و”انتهاكاتها” بحق سيادة السودان وسلامة أراضيه، وقالت إن الحادث “مثل لعدد من المراقبين جزءا من تورط مصر المباشر وغير المباشر في الصراع الدائر في السودان، بهدف تعظيم مصالحها”.
ويتضح من هذا المثال ضمن تغطيات الوكالة، محاولات للوقيعة بين القاهرة والخرطوم بشكل مباشر، وتغذية مشاعر الغضب لدى قطاعات من الشباب السوداني تجاه مصر.
ووسط ما يبدو من عمل القاهرة والخرطوم المكثف والهادئ، على احتواء تداعيات هذا الحادث، ووضعه في سياقه “كضربة لمهربين وخارجين على القانون” يعملون على الحدود بين البلدين، فإن حجم الخسائر والطبيعة العنيفة للضربة يصعب معه تصور عودة أنشطة هذه الجماعات الخارجة على الدولة سواء في مصر أم في السودان.
غير أن التداعيات التي تلتها، وأبرزها اعتداءات متكررة على عمال وأفراد مصريين يعملون في السودان سواء في حركة التجارة بين البلدين أم في قطاعات أخرى، وصعود الصوت الرافض للعلاقات بين البلدين، وادعاءات استغلال مصر لأوضاع السودان المتردية لفرض نفوذها ومصالحها، تشير في المحصلة إلى قدر من الضرر قد لحق العلاقات بين البلدين، في هذا المنعطف الهام بعد “قمة العلمين” تحديدًا والرسائل الإقليمية بالغة الأهمية التي حملتها.
وبعيدًا عن الدعوات التصعيدية غير الرسمية التي ظهرت في البلدين، سواء المطالبة بطرد السودانيين من مصر أو الدعوة إلى مقاطعة المنتجات والخدمات المصرية في السودان، فإن تداعيات الحادث تثير تساؤلات بشأن قدرة التواصل الرسمي بين القاهرة والخرطوم على احتواء التوتر في المجال العام.
كما كشف الحادث عن أزمة بنيوية حقيقية تعتري مقاربة القاهرة تجاه الأزمة في السودان، وعن فجوة بين التواصل الرسمي المصري السوداني وبين التواصل مع الجمهور السوداني. فالاتصالات الدبلوماسية، لا تكفي وحدها لتفسير المواقف المصرية للرأي العام، ولا سيما عندما تتعلق الأزمة بضحايا مدنيين وبمسائل السيادة والحدود. ومن ثم، فإن تعزيز التواصل مع الجمهور السوداني قد يساعد على الحد من انتشار المعلومات غير المتحقق منها، من دون أن يكون ذلك بديلًا عن التحقيق في الواقعة.
خطوات مطلوبة
يمكن توقع عدد من الخطوات قد تسهم في احتواء الأزمة وتهدئة مخاوف الشعبين المصري والسوداني من حدوث تدهور في العلاقات بين البلدين على الأقل على المستوى “الشعبي”.
أولا وعلى مستوى الإيضاح وتحديد المواقف، من المهم إعلان بيان رسمي من القاهرة، ومن قبل الجهات المختصة بها بطبيعة الحال، يكشف عن تفاصيل الحادث وملابساته بشكل دقيق، ويوضح وجهة النظر المصرية تجاه الاعتداءات المتكررة على الحدود المشتركة وما تمثله من تهديدات أمنية خطيرة تتجاوز مسألة التعدين، وشرح ذلك بالدلائل وهجمات هذه المجموعات.
مع بيان صلة هذه المجموعات بتكوين وإمداد الجماعات الإرهابية المختلفة وتوفير “أنابيب حياة” لها، كما في حالة الساحل الإفريقي والصومال ووسط إفريقيا، وهو الأمر الذي لا تستطيع مصر والسودان تحمل تكلفته المرتفعة على المدى البعيد.
ثانيا، إبداء القاهرة استعدادها الفوري للتعاون مع أية بعثة تقصي حقائق أو تحقيق سودانية في المسألة، حال حسم موقع الحادث على وجه الدقة ووجوده داخل الأراضي السودانية بالفعل، بغرض التوصل لحقائق دامغة وأعداد دقيقة للضحايا بعيدًا عن تقديرات بعض المنظمات الحقوقية، ومن تصفهم منافذ إعلامية مختلفة “بشهود العيان” والرد على ما نشر، وتفنيده.
ثالثا، البدء في الترتيب لصيغة مخصصة للتعاون المصري السوداني في القضايا المماثلة بشكل عملي وحاسم، أي تنسيق مواجهة التهريب والأنشطة غير القانونية في المناطق الحدودية بين البلدين ضمن تعاون أمني، يتكامل مع ذلك تبني حملة إعلامية مشتركة مع وسائل الإعلام السودانية لتوضيح خطورة الأوضاع في المناطق الحدودية وتهديداتها على الأمن القومي السوداني والمصري، وأهمية وجود سياسات على الأرض تحول دون استمرار مثل هذه التهديدات قدر الإمكان، لا سيما أن تقارير أخرى أكدت وجود عناصر “غير سودانية” في مواقع التعدين تلك.
وثالثا بناء آلية للتنسيق الأمني والعسكري مع السلطات السودانية خلال تنفيذ القوات المصرية الحملات المكبرة لملاحقة المهربين والمُعدنين غير القانونيين حال فرار أعداد منهم عبر الحدود من مصر إلى السودان.
<p>The post مصر والسودان وحادث “الدهابة”: احتواء دبلوماسي وتوتر شعبي وتوظيف إقليمي first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360