معركة الوعي: حين يصبح عقلك ميدان المعركة
حين تكون الحرب على الأرض، يعرف الإنسان أين يقف، ومَن يواجه، وما الذي يدافع عنه. أما حين تنتقل الحرب إلى العقل، فإن أول ما تخسره المعركة هو وضوحها؛ إذ قد يدخل الخصم إلى وعيك من الباب الذي تدخل منه الحقيقة، ويجلس إلى جوارها حتى لا تعود قادراً على التمييز بينهما.
وهذه هي أخطر صور الصراع: أن يصبح الإنسان ميداناً للمعركة وهو لا يعلم، وأن تتحول الأفكار التي يظنها اختياراته الحرة إلى نتائج لمعركة خاضها آخرون في داخله. فلا يحتاج الخصم عندئذ إلى أن يغير ما تؤمن به فقط، بل يكفيه أن يغير الطريقة التي تنظر بها إلى ما حولك؛ فإذا تغيرت زاوية النظر، تغير الحكم، وإذا تغير الحكم تغير الموقف، وربما دافع الإنسان عن الفكرة التي أفسدت عليه قدرته على رؤية الحقيقة. على مظنة أنها الحقيقة، وليس أخطر على الإنسان من خصم يسلبه القدرة على معرفة خصمه؛ لأن من عرف عدوه استطاع أن يحذره، أما إذا اختلط عليه العدو بالصديق، والحقيقة بالدعاية، والواقعة بتأويلها، فقد يصبح عقله نفسه جزءاً من السلاح الموجّه إليه.
لهذا لم تعد الكلمة مجرد كلمة، ولا الصورة مجرد صورة، ولا الشائعة خبراً عابراً. فقد صار من الممكن أن تصنع الكلمات والصور والأخبار واقعاً موازياً يعيش الناس داخله، ويصدرون أحكامهم على وطنهم وحياتهم من خلاله، بينما الواقع نفسه يقف بعيداً، عاجزاً عن الوصول إليهم.
ولذلك أستطيع أن أقول لك إننا الآن في عالم آخر ودنيا أخرى، عالم يجعلك لا ترى المعركة، ومع ذلك قد تكون واقفاً في قلبها، نعم، هذا يحدث لك ولي يومياً، تخيل مثلاً أنك جلست أمام هاتفك في آخر النهار، لا تبحث عن شيء بعينه. وبشكل اعتيادي ظهر أمامك خبر، ثم صورة، ثم مقطع قصير لرجل يتحدث بثقة عن أمر هذا الخبر الذي يخص بلدك.
أنت الآن قرأت، وشاهدت، وانتقلت إلى ما بعده. وبعد دقائق نسيت الخبر، لكن شيئاً منه بقي في داخلك. صورة، أو انطباع، أو شك صغير لم يكن موجوداً قبل أن تفتح الشاشة، ثم جاءك خبر آخر من منصة أخرى يؤكد ما رأيت، ومقطع ثالث يكرر المعنى نفسه، وتعليق رابع يقول لك إن الجميع يعرفون هذه الحقيقة. ومع التكرار يبدأ الأمر في التحول، فالآن لا يهم أين شاهدت، ولا أين قرأت، ولا من قال، ولا كيف بدأت القصة، لكنك أصبحت تشعر بأنك تعرفها، وهنا أسألك: من الذي أنتج هذا الخبر أول مرة؟ أنت، أم الذين وضعوها أمامك؟
قد يبدو السؤال غريباً، لكنه يضع يدنا على واحدة من أخطر معارك العصر. فالمعركة الحديثة لا تحتاج دائماً إلى جندي يعبر الحدود، ولا إلى مدفع يطلق النار. إذ يكفي أن تعبر الفكرة حدود العقل، وأن تتكرر حتى تألفها النفس، وأن تتراكم حول الحقيقة روايات مصطنعة، حتى يصبح الإنسان عاجزاً عن الوصول إلى ما حدث فعلاً، لا لأن الحقيقة اختفت، وإنما لأن الأكاذيب أحاطت بها من كل جانب.
وقد دخلت مصر خلال السنوات الأخيرة في مواجهة طويلة مع منظومة إعلامية ورقمية تقودها جماعة الإخوان الإرهابية بمساعدة أجهزة معادية تمتلك خبرات احترافية، هدفها الأعلى هو التأثير في عقل المواطن نفسه، وإعادة تشكيل الطريقة التي يدرك بها ما يجري حوله، حتى ينظر إلى الواقع من خلال صورة مصنوعة له، ثم يصدر أحكاماً يظن أنها وليدة تفكيره، وهي في الحقيقة نتيجة لما وضع أمامه من وقائع مبتورة، وما حجب عنه من وقائع أخرى.
وهذه مهمة أكثر تعقيداً من اختراع الكذبة، لأن الكذبة إذا كانت فجة انكشف أمرها، أما نصف الحقيقة فلها قدرة عجيبة على التخفي. فهي لا تحتاج إلى أن يكذب في كل ما يقول، وإنما يكفيه أن يقول بعض الحقيقة، ويسكت عن بعضها، ثم يضع ما قاله في الموضع الذي يخدم النتيجة التي يريدها، فالتضليل الأكثر خطراً لا يطلب منك أن تصدق كذبة، وإنما يدفعك إلى أن تستنتج الكذبة بنفسك من حقائق منتقاة بعناية.
ولك أن تتخيل رقماً صحيحاً انتزع من سياقه، كيف يستطيع أن يقول شيئاً آخر غير الذي كان يقوله في مكانه الطبيعي. وتخيل صورة حقيقية وضعت تحت عنوان كاذب، كيف يمكن أن تتحول في عين من يراها إلى دليل على واقعة لم تقع. وانظر لتصريح قيل بالفعل، ثم احذف منه ما سبقه وما لحقه، فإذا بالكلام الذي كان له معنى يصبح له معنى آخر، وربما نقيض المعنى الذي أراده صاحبه.
وهنا تبدأ اللعبة الحقيقية؛ فالمضلل لا يقف دائماً أمام الحقيقة ليقول للناس: هذه كذبة. ولكنه يترك الحقيقة مكانها، ثم يضع حولها ما يكفي من الوقائع الناقصة والصور المبتورة والتعليقات الموجهة حتى تصبح الحقيقة نفسها عاجزة عن الدفاع عن معناها.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الطريقة التي تتعامل بها منصات جماعة الإخوان الإرهابية المناوئة للدولة مع الوقائع اليومية، فالحادثة المحدودة لا تبقى حادثة، وإنما تتحول إلى صورة مصغرة عن وطن كامل؛ والخطأ الإداري لا يعود خطأ في إدارة مرفق، وإنما يصبح دليلاً على فساد الدولة؛ وتأخر مشروع في مرحلة من مراحله لا يعود واقعة لها أسبابها وظروفها، وإنما يقدم بوصفه الشهادة الأخيرة على فشل مشروع الدولة كله.
وفي المقابل تختفي الوقائع التي لا تخدم هذه الصورة، فلا يكذبون بشأنها بالضرورة، وإنما يتركونها خارج الحكاية. وهكذا لا يصنع التضليل واقعاً من العدم، بل يصنع واقعاً آخر من أجزاء الواقع نفسه؛ يأخذ منه ما يريد، ويترك ما لا يريد، ثم يقدم الصورة المجتزأة على أنها الصورة الكاملة.
والأخطر من ذلك هو أن كثرة التكرار تمنح الرواية الكاذبة شيئاً يشبه الشرعية النفسية. فالإنسان يميل إلى الاعتقاد بأن تكرار المعلومة دليل على شيوعها، ثم يتحول شيوعها في ذهنه تدريجياً إلى قرينة على صحتها. وعندما يصل إلى هذه المرحلة يصبح تصحيح الخبر أكثر صعوبة من نشره، لأن التصحيح لا يواجه معلومة واحدة، وإنما يواجه الانطباع الذي تركته المعلومة بعد أن استقرت في الذاكرة.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأن أخطر أنواع هذه الحروب ليست تلك التي تقول للناس إن كل شيء كذب، وإنما تلك التي تجعلهم عاجزين عن معرفة ما هو صحيح وما هو كاذب.
فحين يفقد المواطن ثقته في كل المصادر، يصبح مستعداً لتصديق أي مصدر. وحين يقتنع بأن الجميع يكذبون، يصبح الفرق بين الحقيقة والشائعة أقل أهمية في ذهنه. وعندئذ تحقق الدعاية غايتها الأعمق: لا أن تجعل المواطن يؤمن برواية بعينها، وإنما أن تجعله يفقد القدرة على الإيمان بأي رواية موثوقة.
ولهذا فإن معركة التضليل ليست معركة معلومات فقط، وإنما معركة ثقة، وكلما تآكلت هذه الثقة، أصبح المجتمع أكثر قابلية للاختراق النفسي والسياسي.
ويضاف إلى ذلك وجه آخر لا يقل خطورة، هو صناعة صورة نمطية للدولة. فالدعاية لا تعرض الدولة باعتبارها مجموعة مؤسسات تصيب وتخطئ وتنجح وتتعثر، وإنما تقدمها في صورة واحدة مغلقة، هي أنها دولة عاجزة، فاسدة، لا تنجز شيئاً، ولا تريد خيراً للناس. وبمجرد تثبيت هذه الصورة يصبح كل حدث جديد دليلاً عليها، حتى لو كان الحدث نفسه قابلاً لتفسيرات أخرى.
وهذه من أخطر الحيل النفسية في الدعاية الإخوانية التي تستهدف الدولة كلها؛ إذ تتحول الفكرة من حكم على الوقائع إلى عدسة ترى من خلالها الوقائع.
فإذا اقتنع شخص بأن الدولة فاشلة، فإنه لا يعود ينظر إلى المشروع الذي اكتمل باعتباره إنجازاً، وإنما يبحث عن العيب فيه. وإذا رأى خدمة تحسنت، بحث عن نقطة ضعف فيها. وإذا ظهرت مشكلة، اعتبرها دليلاً إضافياً على حكمه السابق.
هذه هي حروب الوعي التي تشنها جماعة الإخوان على الدولة المصرية كلها، تستهدف من خلالها شعباً تريده أن يهدم دولته، ذلك أن أخطر نتائج التضليل أن يفقد الإنسان قدرته على رؤية وطنه كما هو، فهو ليس جنة بلا مشكلات، ولا هو خراباً بلا إنجاز، وإنما هو دولة حقيقية تعيش صراعاتها وتواجه أخطاءها وتبني في الوقت نفسه، وتريد شعباً واعياً يبني ولا يهدم.
وحين يصبح المواطن قادراً على رؤية هذا التعقيد، تفقد حرب المنصات أقوى أسلحتها؛ لأن منصات الإخوان تحتاج إلى عالم أسود، بينما الوعي يرى درجات الألوان كلها.
والوعي الذي يرى الواقع كما هو، بكل نجاحاته وإخفاقاته، هو أصعب وعي يمكن اختطافه.
نقلاً عن “الوطن”
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)