من الانسحاب إلى إعادة التموضع– الأمن الخليجي في منظوره الأمريكى الجديد
رجوعملخص الخبر
- الحرب الحالية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل تدفع دول الخليج لإعادة تقييم نظامها الأمني.
- إيران تظل طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي نظام أمني مستقبلي بسبب موقعها الاستراتيجي وقدراتها.
- دول الخليج تتجه إلى تنويع شراكاتها الأمنية مع الحفاظ على أهمية الولايات المتحدة.
- الولايات المتحدة تدرس تقليل وجودها العسكري المباشر في الخليج وتطوير مفهوم القدرة على الوصول السريع.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
تفتح الحرب الإيرانية/الأمريكية/الإسرائيلية الحالية- أياً كانت صيغة أو توقيت انتهائها- الباب أمام إعادة النظر في النظام الأمني الذي حكم الخليج لعقود.
فقد أظهرت الحرب أن الاعتماد على قوة خارجية واحدة لا يمنع اندلاع الحرب، كما أظهرت في الوقت نفسه أن إيران- ورغم تعرضها لضربات شديدة منهكة على الصعيدين العسكري والاقتصادي- تظل بحكم الجغرافيا والتاريخ والقدرات الصاروخية والموقع على مضيق هرمز طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي نظام أمني مستقبلي.
وفي المقابل، تعرضت دول مجلس التعاون خلال الحرب لمخاطر مباشرة على أراضيها ومنشآتها الحيوية، الأمر الذي أدى إلى اتساع الفجوة في الموقف الخليجي الموحد وإلى تباين المواقف بين دول المجلس، بين دول داعية للمزيد من التشدد تجاه إيران، وأخرى لم تحدد موقفها بعد من جدوى استمرار الحرب، وثالثة تدعو إلى الحوار مع طهران رغم ما تعرضت له من اعتداءات جسيمة أثرت في بنيتها الاقتصادية، مما دفعها إلى إعادة تقييم العلاقة بين الردع العسكري والحوار السياسي.
وقد أشارت تحليلات حديثة إلى أن دول الخليج تتجه إلى تنويع شراكاتها الأمنية مع استمرار أهمية الولايات المتحدة، وليس إلى استبدالها بالكامل.
ولم يعد السؤال المطروح حول الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستبقي على انتشارها العسكري بالشكل الذي عرفته المنطقة خلال العقدين الماضيين، وإنما كيف يمكن لواشنطن أن تحافظ على نفوذها وردعها ومصالحها الأمنية في الخليج مع تقليص عدد القوات والمنشآت المعرضة للاستهداف المباشر.
فخروج القوات الأمريكية من قاعدة التنف في سوريا مطلع هذا العام منهية وجوداً عسكرياً استمر أكثر من عقد، ثم انتهاء مهمة عملية «العزم الصلب» في العراق في 30 سبتمبر 2026، يمثلان محطتين واضحتين في مسار إعادة تعريف الوجود الأمريكي.
فقد أنهت القيادة المركزية الأمريكية انسحاب قواتها ومعداتها من قاعدة أربيل ومطار بغداد، وانتقلت قيادة مهمة محاربة داعش إلى الأردن، بينما تحولت العلاقة مع العراق إلى إطار دفاعي ثنائي.
لكن أهمية هذه التطورات لا تكمن في الانسحاب من العراق وسوريا وحدهما، وإنما في تزامنها مع مراجعة أوسع لمفهوم الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، بعد أن أثبتت الحرب الأخيرة أن القواعد الثابتة- مهما بلغت أهميتها العملياتية وتجهيزاتها وتحصيناتها- يمكن أن تتحول في ظروف الحرب الصاروخية الحديثة إلى نقاط ضعف.
من «التمركز» إلى «القدرة على الوصول»
كان النموذج الأمريكي التقليدي يقوم على تمركز قوات جوية وبرية وبحرية كبيرة داخل المنطقة، بحيث تستطيع واشنطن الانتقال سريعاً من الردع إلى العمليات العسكرية.
غير أن انتشار الصواريخ الباليستية والمسيّرات وقدرتها المتزايدة على إصابة أهداف ثابتة غيّر حسابات هذا النموذج.
ونتيجة لتضرر الكثير من القواعد الأمريكية في دول مجلس التعاون بعد موجات الاستهداف الإيراني، تطور التفكير الاستراتيجي الأمريكي إلى الانتقال من مفهوم “الوجود العسكري المباشر” إلى مفهوم “القدرة على الوصول والتعزيز السريع”. أي أن واشنطن قد تحتفظ بقدراتها الاستراتيجية، لكنها تقلل عدد الطائرات والقوات والمخزونات الموجودة بصورة دائمة في المنشآت الأكثر تعرضاً للهجوم، وتنقل جزءاً من القوة إلى البحر أو إلى قواعد أبعد عن مدى الصواريخ، مع الاحتفاظ بإمكانية تعزيز الخليج في وقت قصير.
وقد طُرحت هذه الفكرة في دراسات أمريكية قبل الحرب الحالية، تقوم على نقل جزء من الوجود الأمريكي من «مركز» الخليج إلى «الأطراف»، خصوصاً الأردن مع الاحتفاظ بقدرة الولايات المتحدة على التدخل باعتبارها قوة موازنة من خارج المنطقة.
والمفارقة هنا أن تقليص الوجود العسكري الأمريكي لا يترافق مع تراجع الدور الأمريكي في سوق السلاح الإقليمي، بل على العكس.
فخلال الربع الأول من 2026 وحده، وافقت الولايات المتحدة على مبيعات عسكرية محتملة بقيمة تجاوزت 45 مليار دولار عالمياً، كان أكثر من 36.6 مليار دولار منها موجهاً إلى شركاء في الشرق الأوسط.
وشملت الصفقات 9 مليارات دولار من صواريخ Patriot PAC-3 للسعودية، و8.5 مليارات دولار من أنظمة ومعدات للإمارات، بينها رادار بعيد المدى مرتبط بمنظومة THAAD، و8 مليارات دولار من رادارات LTAMDS للكويت.
فضلا عن ذخائر ومعدات دفاعية وصواريخ لقطر تفوق قيمتها 5 مليارات دولار، وكل ذلك بشرط يضمن احتفاظ إسرائيل بما يسميه الكونجرس الأمريكي بـ qualitative military edge على تلك الدول مجتمعة.
وبذلك يبدو أن واشنطن تتحرك في اتجاه مزدوج، “تقليل تعرض قواتها المباشر للخطر، وزيادة قدرة حلفائها على تحمل الجزء الأكبر من عبء الدفاع الإقليمي”.
وهنا تصبح مبيعات السلاح أكثر من مجرد تجارة، فهي يمكن أن تكون أداة لإعادة توزيع الأدوار الأمنية.
صفقة F-35 السعودية: أكثر من مجرد طائرة
في سبتمبر 2026، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة محتملة بقيمة 24.3 مليار دولار لبيع السعودية 48 طائرة F-35، إلى جانب 49 محركاً ومعدات وتدريب ودعم لوجستي، مع بقاء الصفقة خاضعة للإجراءات والمراجعة في الكونجرس.
وتأتي أهمية هذه الصفقة من أنها لا ترتبط فقط بالقدرة القتالية للطائرة، وإنما بالمغزى السياسي والاستراتيجي للقرار الأمريكي بتوسيع نطاق امتلاك هذه التكنولوجيا في الخليج.
فالـF-35 ليست منظومة دفاع جوي في حد ذاتها، لكنها جزء من شبكة أكبر تجمع بين الاستطلاع، والحرب الإلكترونية، والضربات الدقيقة، والقدرة على العمل ضمن منظومات قيادة وسيطرة متقدمة.
ومن ثم، فإن الصفقة يمكن أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من اتجاه أمريكي أوسع نحو “تمكين الحلفاء إقليمياً”.
لكنها لا تعني أن السعودية أصبحت بديلاً عن القوة الجوية الأمريكية.
فالطائرات المتقدمة تحتاج إلى تدريب، وصيانة، وقطع غيار، وذخائر، ونظم اتصالات، واستخبارات، وتكامل مع منظومات القيادة والسيطرة الأمريكية.
وهذا يعني أن واشنطن تستطيع تقليل وجودها العسكري المباشر مع الإبقاء على اعتماد استراتيجي طويل الأجل على التكنولوجيا والتدريب والدعم الأمريكي.
حدود الالتزام الأمريكي
غير أن إعادة توزيع الأدوار لا يعني أن الولايات المتحدة ستقدم لدول الخليج ضمانة دفاعية مطلقة.
وهذه نقطة ينبغي أن تكون واضحة في أي نظام أمني جديد.
فهناك فارق بين الردع الأمريكي، والدعم الدفاعي، والتدخل العسكري، والضمانة القانونية للدفاع المشترك.
فمن المرجح أن يبقى الالتزام الأمريكي الأقوى في مجالات التسليح، والدفاع الجوي والصاروخي، والاستخبارات والإنذار المبكر، والتدريب، والدعم اللوجستي، والقدرة على تعزيز القوات الإقليمية عند الضرورة.
لكن هذا الالتزام لا يساوي بالضرورة تعهداً أمريكياً بالدخول في أي حرب يخوضها طرف خليجي.
فالتجربة الأخيرة أظهرت أن واشنطن يمكن أن تدعم شريكاً بالمعلومات والاستهداف والسلاح من دون أن تتبنى بالضرورة عملياته الهجومية.
وظهر ذلك جليا في مطلع هذا الشهر، عندما طلبت الرياض تدخلاً عسكرياً أمريكياً ضد الحوثيين، فرفضت واشنطن تنفيذ ضربات مباشرة، لكنها وافقت على تقديم الاستخبارات ودعم الاستهداف.
ومن ثم، يمكن أن يقوم النظام الجديد على معادلة أكثر واقعية، تتمثل في أن “الولايات المتحدة توفر الردع الاستراتيجي والقدرات التي يصعب على دول الخليج امتلاكها منفردة، بينما تتحمل الدول الخليجية الجزء الأكبر من الدفاع المباشر عن أراضيها”.
وهذا يضع حداً واضحاً للالتزام الأمريكي، بحيث تظل واشنطن القوة الخارجية الرئيسية التي يمكنها تغيير ميزان القوى عند تعرض الخليج لخطر استراتيجي واسع، لكنها لن تكون بالضرورة الجيش الذي يدافع عن الخليج بصورة تلقائية في كل أزمة.
وتزداد أهمية هذه النقطة مع الاتجاه نحو تقليص الوجود العسكري الأمريكي الثابت.
فالبنتاجون يدرس بالفعل احتمال خفض القوات في الخليج وعدم إعادة بناء بعض المنشآت التي تضررت خلال الحرب بالشكل الذي كانت عليه قبلها.
ما شكل النظام البديل؟
يمكن أن يقوم النظام الجديد على عدة طبقات مترابطة:
الأولى: الدفاع الجوي والصاروخي المشترك.
يتم ربط الرادارات وأنظمة Patriot وTHAAD وغيرها في شبكة إنذار وقيادة واحدة، بحيث لا تكون كل دولة مسؤولة فقط عن حماية مجالها الجوي، وإنما تشارك في بناء صورة جوية إقليمية مشتركة.
فالقيمة الحقيقية للطائرات والصواريخ والرادارات لا تكمن فقط في عددها، وإنما في القدرة على دمجها ضمن منظومة واحدة، وهو ما وضح غيابه خلال الحرب الأخيرة ضد إيران.
الثانية: القوة الجوية الخليجية.
يتحول جزء أكبر من العبء إلى القوات الجوية الخليجية، مع توسع قدراتها على الاستطلاع والاعتراض والضربات الدقيقة. وهنا تدخل F-35 السعودية، إلى جانب القدرات الإماراتية والقطرية والكويتية في شبكة أوسع، بدلاً من النظر إلى كل سلاح جوي بصورة منفردة.
الثالثة: الدور الأمريكي من خارج منطقة الخطر.
يمكن للولايات المتحدة الاحتفاظ بقدرات جوية وبحرية بعيدة المدى، وغواصات، وحاملات طائرات، وقدرات فضائية واستخبارية، مع توزيع القوات على مناطق أكثر أمناً، بدلاً من تركيزها في عدد محدود من القواعد الخليجية التي لم تعد تصلح لتلك المهمة.
الرابعة: الأمن البحري.
يمكن أن يتحول الوجود الأمريكي البحري المتحرك في الخليج وخليج عُمان وبحر العرب إلى عنصر ردع أساسي، مع زيادة مساهمة القوات البحرية الخليجية.
الخامسة: آلية سياسية لمنع الحرب.
وهذه أهم طبقة، والتي أوجدتها وأكدتها الحرب الدائرة حاليا.
فالدفاع العسكري وحده لا يمنع الصراع إذا ظلت إيران ودول الخليج تفتقر إلى آلية لإدارة الأزمات.
ونظرا للبعد الجغرافي للصراع والذي لا يمكن بأي شكل إغفاله، فإيران ستظل الجارة الباقية بعد أن تضع الحرب أوزارها.
ولهذا يمكن أن تكون هناك دائرة سياسية تضم دول مجلس التعاون والعراق وإيران– بعد التوافق معها حين تنتهي الحرب الحالية- مع مشاركة مصر وتركيا في إطار أوسع، ودور أمريكي داعم.
إيران: خارج التحالف العسكري وداخل النظام السياسي
إدخال إيران في المنظومة الدفاعية سيكون غير واقعي لعدة عوامل مفهومة، لكن استبعادها من أي ترتيبات أمنية إقليمية سيكون أكثر صعوبة.
والحل الممكن هو الفصل بين مستويين:
منظومة دفاعية: دول الخليج وشركاؤها، بدعم أمريكي.
ومنظومة أمن إقليمي: تضم إيران والعراق (لموازنة البعد الديموغرافي) ودول الخليج، وتركز على قواعد عدم استهداف المنشآت النفطية، وأمن الملاحة، ومنع الهجمات على البنية التحتية، وآليات الاتصال في الأزمات، وتوثيق التعاون الاستثماري والتجاري، وربط شبكات الطاقة.
وهكذا لا تصبح إيران عضواً في تحالف عسكري، لكنها تصبح طرفاً في قواعد منع التصعيد.
أين تقف مصر من هذه المنظومة؟
في هذا النموذج يمكن أن تكون لمصر وظيفة تتجاوز الدور العسكري المباشر. فموقعها على البحر الأحمر، وسيطرتها على قناة السويس، وعلاقاتها مع دول الخليج والعراق والولايات المتحدة، وقدرتها على التواصل مع أطراف مختلفة، تجعلها مرشحة للمشاركة في “الإطار السياسي والأمني الأوسع”.
ويمكن أن يرتبط ذلك بأمن البحر الأحمر وباب المندب، خصوصاً أن أمن الخليج لم يعد منفصلاً عن أمن البحر الأحمر وطرق الطاقة والتجارة.
كما يمكن أن تشارك مصر في التدريب، وأمن الملاحة، ومكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات، من دون أن تصبح جزءاً من تحالف عسكري يستهدف إيران.
خاتمة
إن البديل الواقعي بعد الحرب ليس “خليجاً بلا أمريكا”، كما أنه ليس “خليجاً تحت الحماية الأمريكية”، وإنما خليج متعدد الطبقات الأمنية.
في مركزه يكون مجلس التعاون وإيران والعراق، وتدعمه مصر وتركيا كقوتين إقليميتين، وتوفر الصين ثقلاً اقتصادياً ودبلوماسياً باعتبارها أكبر مستورد للنفط الخليجي.
وتستمر الولايات المتحدة في أداء دور أمني مهم، ولكن من داخل منظومة متعددة الأطراف.
والاختبار الحقيقي سيكون مضيق هرمز.
فإذا تمكنت إيران وعُمان ودول الخليج من تحويل المضيق من أداة صراع إلى مؤسسة إقليمية لإدارة الملاحة دون أعباء مادية إضافية، فسيكون ذلك أول دليل على إمكانية الانتقال من نظام يقوم على الردع والاعتماد الخارجي إلى نظام يقوم على المصالح المتبادلة والردع المنظم والتعاون الإقليمي.
وهذا لا يلغي الخلافات التاريخية أو التنافس الإيراني– العربي، ولكنه يحول دون أن تتحول هذه الخلافات إلى حرب مفتوحة ممتدة في كل مرة تتغير فيها موازين القوى، وبما يهدد سلامة واستقرار النظام الاقتصادي العالمي.
<p>The post من الانسحاب إلى إعادة التموضع– الأمن الخليجي في منظوره الأمريكى الجديد first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360