من الذي خذل غزة
مشهدان في الخطاب الإعلامي لحركة حماس والإخوان، الأول انها انتصرت في السابع من أكتوبر وغيرت معادلات التاريخ والثاني ان غزة تعرضت لخذلان عربي، في صورة ترددت على ألسنة قادة الحركة وبياناتها المكتوبة، وروجتها شبكات الاخوان الإعلامية، بمقابل ذلك وضعت حماس إيران والمليشيات الملحقة بها في دائرة من التبجيل، وصولاً إلى خطاب خليل الحية الذي القاه بعد إعلان تسلمه السلطة وما حمل في مضمونه من رسائل أبرزها مركزية حماس في القضية الفلسطينية والثانية هي ثانوية الدور العربي.
هي رؤية مضمونها ان جماعة الإخوان وعبر حماس هي من ترسم ملامح المشهد الفلسطيني عبر ترويج معادلة مفادها أن عنوان القضية الفلسطينية هي حماس، وأن دور العرب فيها تحدده رغبات الجماعة، بالتالي كانت تتجسد هذه الصورة في أثناء الحرب بشكل أكثر وضوحاً، ففي ترويج معادلة الانتصار تصبح حماس هي دلالة ” الإيمان الإخواني” المخالف بطبعه ومضمونه للصورة الموجودة، وذلك عبر ربط فكرة الايمان وتحرير القدس بحركة حماس، وعندما تحصل الكارثة يعيد الإخوان إنتاج قصة المظلومية كما يحدث في غزة تباعاً عبر تحميل العرب مسؤولية الكارثة وتبعاتها، فاستمرار الأزمة الإنسانية في غزة مفيد للجماعة باعتباره يبقي “تمويل الظل” متاحاً لحركة التبرعات والتي يسير أغلبها عبر تمويه الأثر، لأن أغلب تلك الأموال تتسلل من خلال الممرات المظلمة.
بالتالي عند لعبة الدم والنزف ومشهد الآلام يعاد تصدير نظرية المؤامرة عبر صناعة رواية مضللة، بقصد توجيه النقاش نحو مسؤولية الحكومات العربية عن النتائج المأساوية، دون النظر إلى مجريات الحرب التي دفعت بها حماس واستمرت خلالها بتأكيد فرضية الانتصار، والتي تجسدت بصورة غريبة في لقاء خليل الحية مع خامنئي في فبراير 2025 وقوله لخامنئي” وجئنا .. بهذه العزة نزف النصر معاً لأننا شركاء” وبذلك كان خليل الحية بعد سنة وأربعة أشهر من بدء الحرب يتحدث عن الانتصار، ويعزز من فكرة مشروعية الوجود الإيراني في المشهد الفلسطيني، وفي موازاة ذلك كان الخطاب الاخواني يتوجه تباعاً للعرب بأنهم مقصرون.
قبل الخذلان، من المهم أن ندرك أن القضية الفلسطينية كانت أساساً عقبة كبيرة في وجه حركة الاخوان، إذ لم يتمكنوا من ركوب الموجة منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية والتي جاءت بقرار من الجامعة العربية في مايو أيار 1964 كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني قبل أن يتحول الاعتراف العربي إلى اعتراف عالمي حصد فيما بعد اعترافاً عالمياً بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه. ولذلك لا تعترف حماس ولا الاخوان بمنظمة التحرير الفلسطينية، ولا تزال حماس تريد تفصيل المنظمة على مقاسها ما يعني أنها تريد هدم الاعتراف العالمي بالمنظمة، وإعادة إنتاج القضية الفلسطينية وفق قاعدة المليشيات التي اختطفت نظام الدولة حيث تمكنت في بلدانها، بعدما أشاعت الحروب الداخلية والخراب والفقر والتشريد في الوقت الذي تسمي هذه المليشيات نفسها محور المقاومة، بالتالي إن الأصل في فكرة الثورات التي انطلقت بعد حقبة الاستعمار الحديث، أنها جاءت لانتشال الدولة من براثن لاحتلال، غير أن الحقبة الشيوعية أنتجت فكرة تصدير الأيديولوجيا وطبقتها عبر الانقلابات العسكرية، ثم تسلم الدفة الإسلام السياسي والذي اختزل فكرة الدولة ب “الأيديولوجيا” في ثنائية التوافق الإخواني مع الثورة الإيرانية، وهو حد السيف الذي تسير عليه وتنزف بفعله شعوب دويلات المليشيا.
فحروب اليوم ليست على شاكلة استعراضات الحرب في القرون الماضية بقدر ما أصبحت معادلات ومصالح دولية، لا يمكن اختزالها بما جاءت به مخيلة حسن البنا وسيد قطب في العالم الافتراضي الذي وصفوه.
فالمسارات السياسية متحركة ولا تجلس على سطر واحد، كما أن كلفة الحروب ومسألة تجاوزها تُحسب وفق حسابات غاية في الدقة بعيداً عن الخطاب الشعبوي، فما ترسمه السياسة العربية اليوم هو استمرار أجيال من عمر الأمة، وتبقى تجربة صلاح الدين الأيوبي من أبرز الأمثلة في غلبة السياسة وتأثيرها على مشهد الصراع.
بالتالي الذين خذلوا غزة ليسوا هم الذين يعرفون كيفية إدارة الصراع بما يحفظون فيه شعوبهم ويمارسون حياتهم السياسية باستقلالية كاملة، على نقيض الذين اعتبروا أنفسهم شركاء لإيران ” كما جاء في الكلام الموثق الذي قاله خليل الحية في لقائه مع خامنئي” وفي النهاية لم تكن لهم مكانة في صفقات إيران السياسية.
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)