من طهران إلى أنقرة: قواعد اللعبة لا تتغير في سماء دمشق
سؤال واحد يختصر المشهد السوري: لماذا تواجه إسرائيل حضوراً تركياً يختلف في نوعه لا في درجته عن الحضور الإيراني، بالأدوات العسكرية ذاتها؟
الفارق بين النموذجين جوهري. قام التموضع الإيراني على الاختراق الميليشياوي وخطوط الإمداد غير النظامية ومحاولة تعديل الجغرافيا السكانية، أي على مشروع عابر للدولة السورية ومتجاوز لها. أما التموضع التركي فشراكة دولة بدولة: غطاء جوي، وتدريب للجيش الجديد، وتأهيل قواعد ومطارات. الأول أضعف الدولة عمداً، والثاني يشترط قيامها ليعمل من خلالها.
ومع ذلك يأتي الرد الإسرائيلي واحداً. وهنا مفتاح الفهم: العقيدة الأمنية في تل أبيب لا تصنّف التهديد بحسب شرعيته، بل بحسب أثره على حرية الحركة الجوية. رادار نظامي تديره دولة عضو في الناتو يقيّد الطيران الإسرائيلي أكثر من صاروخ كتفي بيد ميليشيا. بهذا المعيار تتساوى الشراكة المشروعة مع الاختراق غير المشروع، ويصبح تأهيل مدرج حدثاً يستدعي القصف.
غارات أبو الظهور تكشف المعادلة عارية. ضربة تلي بساعات معاينة وفد عسكري تركي لمدرج في طور الإصلاح، على سابقة نيسان في تدمر و”تي فور” ومطار حماة. ليس هذا رداً على قدرة قائمة، بل استهداف لقدرة في طور التكوين — منطق يقتل الردع في المهد.
لكن قراءة أنقرة كطرف قانوني فحسب تنقص التحليل. لتركيا مشروع نفوذ لا خدمة مجانية: عمق استراتيجي في جوار خرج من الوصاية الروسية والإيرانية، وتثبيت الملف الكردي بشروطها، وسوق ومختبر ميداني لصناعتها الدفاعية. أنقرة تشتري النفوذ بعملة الشراكة، وطهران اشترته بعملة الاختراق، والثمن يدفعه الطرف الثالث ذاته: دمشق.
وهنا المفارقة الأشد إحراجاً. سوريا التي تُقصف مطاراتها ليست في عداء معلن مع من يقصفها؛ فمسار التفاوض برعاية أمريكية قائم، والحديث عن اتفاق أمني أو عودة إلى تفاهمات 1974 لم ينقطع. تفاوض دمشق على أمنها في غرفة، ويُضرب عتادها في الميدان. هذا التناقض ليس هامش القصة بل هو القصة، لأنه يقيس بدقة الفجوة بين السيادة كخطاب والسيادة كقدرة. وواشنطن التي تفتح أبوابها للرئيس السوري لا تملك — أو لا تريد — ضبط الطيران الإسرائيلي، ووصفها الغارات بالتصعيد غير المبرر يقيس حدود نفوذها لا غيابه.
هل نحن إذن أمام صدام تركي-إسرائيلي مباشر؟ الأرجح لا. عضوية أنقرة في الناتو، وقنوات فض الاشتباك، وتفضيلها مراكمة الوجود بالتدريج لأن الزمن يعمل لصالحها، كلها كوابح أثقل من إغراء توظيف “الخطر التركي” في السجال الانتخابي الإسرائيلي. المرجّح حرب استنزاف بالرسائل: بناء بطيء، وهدم دوري، وسقف ضمني بعدم إصابة الأفراد.
ثلاثة مسارات تستحق الرصد: توازن سلبي يطول، أو انفراج مشروط يقايض تجميد الانتشار التركي الثقيل بوقف الضربات وانسحاب جنوبي متدرج، أو انزلاق يفتحه سقوط قتلى أتراك. وثلاثة مؤشرات تحسم بينها: هل تُستأنف أعمال التأهيل أم تُجمّد؟ هل تنتقل تركيا من الرادار إلى منظومة دفاع جوي عاملة؟ وهل يصمد مسار التفاوض بعد كل ضربة؟
لا تملك سوريا اليوم ترف اختيار المسار، لكنها تملك — إن أحسنت إدارة الوقت — أن تجعل كلفة تحويل أرضها إلى ساحة أعلى من عائدها لكل الأطراف.
المصدر: العربية – سياسة





