من مكة إلى المدينة.. كيف وُلد معنى الوطن؟
حين نحتفل بذكرى ميلاد رسول الله، نستعيد سيرة بدأت في مكة، المدينة التي وُلد فيها، وعاش بين أهلها، وعرف طرقها وبيوتها وجبالها، ومنها بدأت أولى صفحات الرسالة. لكن وراء قصة الميلاد والهجرة سؤال إنسانى لا يتوقف عند حدود التاريخ، وهو ماذا يعنى الوطن؟
وُلد النبى في مكة، لم تكن مكة بالنسبة إليه مجرد المكان الذي شهد ميلاده، بل كانت المكان الذي نشأ فيه وعاش فيه، كانت وطنه، وحين جاء يوم الهجرة، لم تكن مغادرة مكة قراراً اتخذه بحثاً عن وطن آخر، كان الرحيل ضرورة، ولهذا جاءت كلماته التي تكشف عمق العلاقة بين الإنسان ووطنه «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلىّ، ولولا أنى أُخرجت منك ما خرجت». كم تحمل هذه الكلمات من معنى! إنسان يغادر المكان الذي يحبه، ليس لأنه فقد حبه له، وإنما لأنه أُجبر على الرحيل، وهنا ربما تبدأ أولى الإجابات عن سؤال الوطن، الوطن ليس المكان الذي نعيش فيه فقط، وإنما المكان الذي يترك أثره فينا، قد نغادره، لكننا لا نغادر ذكرياتنا فيه.
قد تبتعد الأجساد، لكن تبقى الروح معلقة بأشياء صغيرة لا يعرف قيمتها إلا من ابتعد: شارع قديم، بيت، صوت، رائحة، وجه، أو حتى طريق اعتدنا أن نسلكه دون أن نُدرك أنه كان جزءاً من تكويننا، الوطن هو المكان الذي نحبه، لكنه كذلك المكان الذي نسأل أنفسنا: ماذا قدّمنا له؟
فليس كافياً أن نقول إننا نحب أوطاننا، الحب الحقيقى للوطن عندما نعمل من أجله، حين نحافظ على شوارعه، حين نحترم قوانينه، حين نؤدى عملنا بإخلاص، حين نحافظ على أمانه، حين نُعلم أبناءنا أن الوطن هو الذاكرة والتاريخ، وربما لهذا تبدو قصة مكة والمدينة أقرب إلينا مما نظن، فكم من إنسان خرج من وطنه بحثاً عن فرصة، وكم من إنسان حمل وطنه معه إلى بلاد بعيدة، وكم من مهاجر ظل يقيس المسافات كلها بمسافة واحدة هى كم أبعد عن بيتى؟
قد يعيش الإنسان سنوات طويلة بعيداً عن وطنه، لكنه يظل يعرف طريق العودة إليه، ومهما تأخرت العودة يظل الوطن حاضراً في لغته، وذاكرته، وأبنائه، وطعامه، وأغانيه، وحكاياته، وهكذا لا يصبح الوطن مجرد مكان، يصبح جزءاً من هوية الإنسان. وعندما نتأمل في سيرة النبى، نجد أن مكة لم تفقد مكانتها في قلبه بسبب الهجرة، عاد إليها بعد سنوات، وعاد الإنسان إلى المكان الذي بدأ فيه كل شىء، وكأن الرحلة من مكة إلى المدينة لم تكن رحلة ابتعاد عن الوطن، بقدر ما كانت رحلة لاكتشاف معنى أوسع له. إن الوطن الذي نحبه هو الوطن الذي نحمل ذاكرته، والوطن الذي نبنيه هو الوطن الذي نحمل مسئوليته. وهنا وأنا أتأمل قصة الميلاد والهجرة، أتوقف عند وطنى «مصر» كم من المصريين سافروا بعيداً عنها، وكم منهم عاشوا في بلاد أخرى، ونجحوا، وصنعوا حياة جديدة، لكنهم ظلوا حين يتحدّثون عن الوطن يقولون: مصر، ربما لهذا لا يكون السؤال الحقيقى: أين وطنك؟ بل: أين يسكن وطنك داخلك؟
من مكة إلى المدينة، لم تكن المسافة مجرد طريق قطعه النبى، كانت رحلة إنسان من مكان الميلاد إلى مكان البناء، ومن ذاكرة المكان إلى مسئولية المستقبل، ومن هنا ربما نفهم شيئاً من معنى الوطن: أن يكون لك مكان تحبه، وذاكرة تنتمى إليها، وأرض تشعر بمسئوليتك تجاهها.
وإذا كان النبى قد أحب مكة، وحزن لفراقها، وظل يحملها في قلبه حتى عاد إليها، فإن علينا نحن أيضاً أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا بأوطاننا، وهى ما زالت بين أيدينا؟
فالوطن لا يحتاج منا أن نحبه بالكلمات فقط، إنه يحتاج أن نحوله من ذكرى إلى عمل، ومن حنين إلى بناء، ومن انتماء إلى مسئولية، وهكذا، ربما لا تكون أجمل إجابة عن سؤال: كيف وُلد معنى الوطن؟ أنه وُلد يوم أدرك الإنسان أن هناك أرضاً تمنحه الجذور، ومكاناً يمنحه الأمان، وذكريات تمنحه الهوية، ومستقبلاً لا يكتمل إلا إذا شارك هو في بنائه، من مكة إلى المدينة بدأت رحلة، لكنها لم تكن رحلة بين مكانين فقط. كانت رحلة الإنسان في البحث عن الوطن، وعن معنى أن يكون للوطن مكان في القلب ومسئولية في الحياة.
نقلاً عن الوطن
المصدر: العربية – سياسة




