من منطقة سيئة السمعة إلى عاصمة الذكاء الاصطناعي.. كيف تحوّل حي “كينغز كروس” في لندن؟
منطقة كانت تُعد من أكثر أحياء لندن سوءًا قبل عقود أصبحت اليوم وجهة تتنافس عليها شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة وكبار المستثمرين
ما الذي تريده تقريبًا كل شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي في بريطانيا هذه الأيام؟ الحصول على مكتب في منطقة كينغز كروس بلندن.
بلغ الطلب على المساحات المكتبية في المنطقة درجة دفعت، وفقًا لشائعات متداولة، إحدى شركات رأس المال الجريء إلى الفوز باستثمار لصالح مؤسس شركة ناشئة بعدما وعدته بتوفير مساحة مكتبية له في المنطقة.
وقالت شركة رأس المال الجريء، ردًا على سؤال حول هذه الرواية: “لا نتوقف عند أي شيء للفوز بالصفقات ودعم المؤسسين، بما في ذلك مساعدتهم في العثور على مساحات مكتبية عند الحاجة”، لكنها رفضت تأكيد الشائعة أو نفيها، بحسب تقرير نشره موقع “تك كرانش” واطلعت عليه “العربية Business”.
كيف بدأت قصة صعود كينغز كروس؟
بدأ التحول الكبير للمنطقة عام 2016، عندما انتقلت شركة ديب مايند، التي كانت “غوغل” قد استحوذت عليها حديثًا، إلى كينغز كروس.
وبعد ذلك بوقت قصير، تدفقت شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة إلى المنطقة، رغبةً في الاقتراب من منظومة “غوغل ديب مايند” والاستفادة من خبراتها.
أما اليوم، فتسعى هذه الشركات إلى الاستفادة من التجمع المتنامي للمواهب المتخصصة في الذكاء الاصطناعي في المنطقة.
وقد ساهم ذلك في تحويل كينغز كروس إلى واحد من أبرز مراكز الذكاء الاصطناعي في العالم، ينافس مراكز كبرى مثل سان فرانسيسكو وبكين.
وفي لندن تُعرف المنطقة باسم “حي المعرفة” (Knowledge Quarter)، وتضم مقار أو مكاتب لشركات ومختبرات بارزة مثل “OpenAI” و”ميتا” و”Isomorphic Labs” و”Cusp AI” و”Wayne” و”Recursive”، بينما توجد شركات مثل “Synthesia” و”أنثروبيك” على مسافة قصيرة.
كما انتقلت European Technology Network (ETN) مؤخرًا إلى مكتب جديد قريب من المنطقة، فيما تقع University College London على بُعد خطوات.
ولا تقتصر جاذبية المنطقة على شركات التكنولوجيا، إذ تنتشر فيها أيضًا مطاعم ومقاهٍ عصرية مثل Hoppers وBAO.
ومن محطة كينغز كروس، يستطيع مؤسسو الشركات الوصول بالقطار إلى كامبريدج خلال نحو 45 دقيقة للبحث عن المواهب، أو السفر إلى باريس في نحو ساعتين لعقد صفقة أو لقاء مستثمرين وشركاء محتملين.
منطقة سيئة السمعة إلى قلب صناعة AI
يصعب تصديق أن هذه المنطقة نفسها كانت، قبل ما يزيد قليلًا على 20 عامًا، واحدة من أكثر المناطق سوءًا وسمعة في لندن.
وقال حسين كنجي، المستثمر في شركة Hoxton Ventures، مستعيدًا ذكريات المنطقة في ثمانينيات القرن الماضي: “كان الكراك والهيروين قد جعلا المنطقة سوقًا رئيسيًا للمخدرات”، مشيرًا إلى انتشار الحقن في جذوع الأشجار وقيام العصابات بدوريات في الشوارع.
وفي عام 1982، احتلت جمعية بائعات الهوى الإنجليزيات (English Collective of Prostitutes) كنيسة محلية لمدة 12 يومًا متواصلة.
لكن المشهد بدأ يتغير في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، عندما تبنى أحد المطورين العقاريين رؤية جديدة للمنطقة.
وقال كنجي: “والآن أصبحت مركز الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة. يا له من تحول.”
شركات الذكاء الاصطناعي تتدافع نحو كينغز كروس
قبل نحو 18 شهرًا، نقلت شركة BioCorteX، إحدى الشركات التابعة لمحفظة Hoxton Ventures، مكتبها من منطقة Holborn إلى مبنى Jellicoe في كينغز كروس، رغبةً في الاقتراب من قلب النشاط التكنولوجي.
وقال نيك شارما، الشريك المؤسس ل “BioCorteX”: “هناك الكثير مما يحدث في لندن الآن، والكثير من شركات الحوسبة السحابية العملاقة تنتقل إلى هنا.”
ومن بين هذه الشركات، وفقًا للتقارير، شركة الذكاء الاصطناعي Prometheus التابعة للملياردير جيف بيزوس، والتي يُقال إنها تجري أيضًا محادثات للانتقال إلى مبنى Jellicoe.
وتضم لندن نحو 3600 شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، جمعت مجتمعةً نحو 12.1 مليار دولار من إجمالي 14.8 مليار دولار جرى جمعها في المدينة منذ أواخر يوليو، وفق بيانات Dealroom.
ومنذ بداية يونيو، استأجرت الشركات الناشئة العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي أكثر من مليون قدم مربعة من المساحات المكتبية في لندن، بحسب شركة العقارات Knight Frank.
وقال كريس دن، الباحث في قطاع العقارات التجارية بالشركة، إن الإيجارات في المواقع المتميزة داخل كينغز كروس ارتفعت 18% خلال السنوات الثلاث الماضية.
لكن هذه النسبة تتعلق فقط بأكبر عقود الإيجار، التي تغطي مساحات لا تقل عن 10 آلاف قدم مربعة، مثل العقود التي توقعها “OpenAI” و”Prometheus”.
أما العقود الأصغر والأقصر، فتُبرم بأسعار أعلى، بحسب دن، فيما انخفض معدل الشغور في المساحات المكتبية التقليدية إلى 0.9% فقط.
وأضاف: “الطلب تجاوز المعروض.”
أوروبا تريد امتلاك قدراتها في الذكاء الاصطناعي
أصبحت السيادة التكنولوجية واحدة من أبرز الموضوعات المطروحة في كينغز كروس حاليًا.
وكان قرار “أنثروبيك” بوقف الوصول إلى نموذجي Mythos وFable هذا الصيف بمثابة جرس إنذار لكثيرين في منظومة الذكاء الاصطناعي الأوروبية.
وقال سول كلاين، الشريك المؤسس لشركة رأس المال الجريء Phoenix Court: “كان علينا أن نعتني بأنفسنا بشكل أفضل.”
وتقع “Phoenix Court” في منطقة كينغز كروس، ولديها ثلاث شركات ضمن محفظتها في المنطقة، من بينها Olix، التي أعلنت مؤخرًا وصول تقييمها إلى 3.3 مليار دولار، إضافة إلى Early Health وCoMind.
وقال روبن كلاين، الشريك المؤسس للشركة، إن وقف الوصول إلى Fable وMythos كان “تذكيرًا صغيرًا لكنه حاد بأن أوروبا لا يمكنها ببساطة استئجار قدراتها وحوسبتها في مجال الذكاء الاصطناعي؛ بل عليها بناء جزء منها وامتلاكه”.
وأضاف أن كينغز كروس هي المنطقة التي يجري فيها بالفعل جزء كبير من هذا البناء.
ويبقى السؤال الأكبر، بحسب كلاين: هل تستطيع بريطانيا بناء البنية التحتية والحوسبة والطاقة ورأس المال اللازم لجعل هذا الاعتماد على الذات مستدامًا، بدلًا من الاكتفاء باستضافة فروع لمختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية؟
كبار المؤسسين يريدون البقاء في لندن
يمتلك سايمون كول، مؤسس شركة Latent Labs، مكتبين في كينغز كروس وسان فرانسيسكو.
لكن مكتب لندن ينمو حاليًا بوتيرة أسرع، وهو ما جعله أكثر تفاؤلًا بمنظومة الذكاء الاصطناعي في العاصمة البريطانية.
وقال كول: “الأجواء الآن تبدو أقل كأن لندن تحاول اللحاق بالركب، وأكثر كأنها أصبحت واحدة من الوجهات الأساسية لبدء شركة جادة في مجال الذكاء الاصطناعي.”
وبمجرد التجول في المنطقة، قد تصادف سيارات شركة Wayve وهي تختبر تقنياتها للقيادة الذاتية.
وتُعد “Wayve”، التي تأسست عام 2017 على يد الشريك المؤسس أليكس كيندل، واحدة من أكبر قصص النجاح التكنولوجي في لندن.
وقال كيندل: “قبل عشر سنوات، كان بناء شركة ذكاء اصطناعي متقدمة من لندن يبدو خيارًا غير معتاد. أما الآن، فيبدو خيارًا بديهيًا.”
وانتقلت “Wayve” إلى كينغز كروس عام 2018 بحثًا عن مساحة يمكن استخدامها أيضًا كمرآب، وهي “تركيبة نادرة في وسط لندن”، وفق كيندل.
وشهد كيندل بنفسه تطور المنظومة من حوله، ويرى أن من الواضح الآن أن الشركة الناشئة تستطيع البقاء في لندن، وجمع تمويلات ضخمة، وتوظيف أفضل مواهب الذكاء الاصطناعي في العالم، والمنافسة عالميًا.
وعلى مقربة من مكتب “أنثروبيك” الجديد، الذي تبلغ مساحته 158 ألف قدم مربعة، توجد شركة بناء وكلاء الذكاء الاصطناعي Sierra ومنصة الفيديو المدعومة بالذكاء الاصطناعي Synthesia.
وقالت لورا غونزاليس فلوريز، رئيسة موظفي “Synthesia” ورئيسة قسم الموارد البشرية، إن الشركة انتقلت إلى مبناها الجديد قبل عام لاستيعاب فريقها المتنامي.
وأضافت أن المنطقة جذبت الشركة للأسباب نفسها التي تجذب بقية شركات التكنولوجيا: “إنها قريبة جدًا من المطار، وقريبة جدًا من الكثير من المستثمرين.”
ويعمل نحو ثلثي مهندسي “Synthesia” عن بُعد، ما يتيح للشركة الوصول إلى قاعدة مواهب دولية ومتنوعة وبتكلفة أقل، ويساعدها على التوسع بوتيرة أسرع.
وقالت فلوريز: “من لندن، يمكننا توظيف أشخاص من أي مكان والعمل معهم دون أي مشكلة، من سلوفينيا إلى البرتغال.”
طفرة AI تشعل حربًا على المواهب
ليس مفاجئًا أن تؤدي طفرة الذكاء الاصطناعي في لندن إلى حرب على المواهب.
فقد قفز عدد الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة، وفق بيانات شركة PwC.
وعندما أعلنت “أنثروبيك” انتقالها إلى لندن في وقت سابق من هذا العام، عرضت الشركة، على سبيل المثال، راتبًا يتراوح بين 260 ألفًا و630 ألف جنيه إسترليني لوظيفة مهندس أبحاث تعلم آلي.
ويبلغ متوسط راتب الوظيفة نفسها في لندن نحو 102 ألف جنيه إسترليني.
وكما يحدث في وادي السيليكون، يضطر بعض مؤسسي الشركات الناشئة في بريطانيا إلى جمع جولات تمويل أكبر وبقيم أعلى حتى يتمكنوا من مواكبة المنافسة على الكفاءات.
وقال زين علي، مؤسس شركة Centuro المتخصصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي القانونية، والتي تتخذ من كينغز كروس مقرًا لها: “الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت المزيد من شركات الذكاء الاصطناعي ذات الأهمية العالمية ستُؤسس وتُموّل وتتوسع من المملكة المتحدة، مع استمرارها في جذب أفضل المواهب في العالم لبنائها هنا.”
وأضاف: “إذا استمر ذلك، فلن تكون كينغز كروس مجرد مركز للذكاء الاصطناعي، بل ستصبح واحدة من أهم الأصول الاستراتيجية في المملكة المتحدة.”
المصدر: العربية – تكنولوجيا





