مواد كيميائية تحاصرك يومياً.. هكذا تتجنب خطراً لا تراه
يتعرض الإنسان يومياً لعشرات المواد الكيميائية من دون أن يدرك ذلك، بدءاً من استخدام مستحضرات العناية الشخصية كغسل الشعر بالشامبو ووضع مزيل العرق، مروراً بتناول الطعام والمشروبات كالقهوة من العبوات البلاستيكية، ووصولاً إلى التعرض لعوادم المركبات ومنتجات التنظيف والتعقيم.
ورغم أن هذه المواد تُعد جزءاً أساسياً من تفاصيل الحياة اليومية، فإن التعرض المتكرر لبعضها، خاصة بجرعات معينة وعلى مدى فترات طويلة، قد يرتبط بتأثيرات صحية تستدعي الانتباه، وفقاً لما أورده موقع “Refractor”.
تحدث معظم حالات التعرض اليومية بمستويات منخفضة، والعديد من المنتجات مصممة ومنظمة مع مراعاة السلامة، في حين يتساءل خبراء السموم، الذين يدرسون تأثير التعرض للمواد الكيميائية على صحة الإنسان، عما إذا كانت مادة كيميائية واحدة آمنة بمعزل عن غيرها. كما أن السؤال الأكثر واقعية هو: ما هي الآثار الصحية المحتملة عند تداخل العديد من حالات التعرض بمستويات منخفضة؟
المخاليط ليست استثناء
تُعد المخاليط هي القاعدة، وليست الاستثناء، إذ ساعدت عقود من البحث حول الآثار الصحية للمواد الكيميائية الفردية العلماء على تحديد المخاطر، وتقدير مستويات التعرض الآمنة، ووضع اللوائح التنظيمية، لكن يكمن التحدي في أن البعض نادراً ما يتعرضون لمادة كيميائية واحدة في كل مرة.

الهواء والغذاء والماء
هذا ويُعد الهواء مزيجاً متغيراً من الغازات والأبخرة والجسيمات الدقيقة، ويمكن أن تختلف مكوناته داخل الأماكن المغلقة عنها في الهواء الخارجي نتيجة عوامل عدة، منها الطهي والتنظيف ومواد البناء وأنظمة التهوية، فضلاً عن التفاعلات الكيميائية التي تحدث داخل المباني.
وغالباً ما يحتوي الغذاء على بقايا أنواع متعددة من المبيدات الحشرية، وفقاً لبرامج الرصد في أوروبا والولايات المتحدة، وهو ما يعكس تعرض المحاصيل لأكثر من نوع من المبيدات خلال مراحل الإنتاج.
حتى مياه الشرب، رغم معالجتها ومراقبتها بعناية، قد تحتوي على كميات ضئيلة من ملوثات قادمة من مصادر مختلفة، بما في ذلك بقايا المستحضرات الصيدلانية والمواد الكيميائية الصناعية، إضافة إلى المركبات التي تتكون أثناء عمليات معالجة المياه. وقد رصدت دراسات وجود مستحضرات صيدلانية ومركبات مُخلّة بالهرمونات في مياه الشرب بالولايات المتحدة، فيما يواصل الباحثون دراسة الملوثات الناشئة مع تطور وتحسن تقنيات التحليل.

“التأثير التجميعي”
في كثير من الحالات، يكون للمواد الكيميائية في الخليط نفس التأثيرات التي تُحدثها كل مادة على حدة، مما يُسهم بنسبة يُمكن التنبؤ بها من التأثير الكلي. تُعرف هذه الفكرة باسم “التأثير التجميعي”، وهي تُوفر للباحثين والجهات التنظيمية نقطة انطلاق عملية للتنبؤ بمخاطر الخلطات الكيميائية.
لكن المواد الكيميائية لا تتصرف دائماً بهذه الدقة. ففي بعض الأحيان، يكون للخلطة تأثير أكبر من المتوقع، وفي أحيان أخرى، تُقلل مادة كيميائية من تأثير مادة أخرى. لذا، ليس من الممكن دائماً التنبؤ بمخاطر مادة كيميائية ما عند وجود مواد كيميائية أخرى تُؤثر على نفس النظام البيولوجي.
الهرمونات والغدد
تُوضح المواد الكيميائية المُؤثرة على الهرمونات أهمية هذا الأمر. فالهرمونات، مثل هرمون الإستروجين وهرمون الغدة الدرقية، هي رسائل كيميائية تُنظم النمو والتمثيل الغذائي والتكاثر، والعديد من الوظائف الحيوية الأخرى من خلال جهاز الغدد الصماء.
مُختلات الغدد الصماء
بعض المواد الكيميائية، المعروفة باسم مُختلّات الغدد الصماء، يُمكنها أن تُؤثر على كيفية إنتاج هذه الهرمونات، أو نقلها، أو تعرف الجسم عليها. يمكن أن تكون مستويات التعرض الفردية منخفضة جداً بحيث لا تُثير القلق، ولكن ربما يكون لتأثير مواد كيميائية متعددة على نفس الجهاز الهرموني تأثير مُجتمع.
من الأمثلة التي دُرست جيداً الفثالات والبارابين. تُستخدم الفثالات في بعض أنواع البلاستيك، كما أنها مرتبطة بمزيج العطور، بينما البارابين مواد حافظة موجودة في بعض مستحضرات التجميل ومنتجات العناية الشخصية. يمكن أن يتعرض الأشخاص لهذه المواد الكيميائية بشكل متكرر من خلال المنتجات التي يستخدمونها يومياً.

أهمية الاختيارات
لا يعني هذا أن كل غسول أو شامبو معطر ضار، ولكن خيارات المنتجات اليومية يمكن أن تؤثر بشكل ملحوظ على تعرض الأفراد للمواد الكيميائية. في إحدى الدراسات، على سبيل المثال، أدى التحول إلى منتجات العناية الشخصية الخالية من بعض الفثالات والبارابين والمركبات ذات الصلة إلى تقليل وجود بعض هذه المواد الكيميائية في البول.
نصائح مهمة
يقول براد ريسفيلد، أستاذ فخري في الهندسة الكيميائية والبيولوجية والهندسة الطبية الحيوية بجامعة كولورادو ستيت، إن النصائح لا تهدف إلى التشجيع على التخلص من جميع المنتجات في المنزل أو محاولة عيش حياة “خالية من المواد الكيميائية”. إنه أمر مستحيل، لكن الهدف الأكثر عملية هو تقليل التعرض غير الضروري والمتكرر للمواد الكيميائية عندما يكون ذلك سهلاً وغير مكلف، ولا يُسبب مشاكل جديدة.
كما يمكن البدء بالهواء الداخلي، حيث تتراكم الملوثات أثناء الطهي والتنظيف واستخدام المنتجات المعطرة. ينبغي فتح النوافذ عندما يكون الهواء الخارجي جيداً، واستخدام مراوح شفط الهواء في المطبخ والحمام، وزيادة التهوية أثناء التنظيف، كلها أمور تُساعد على خفض مستويات الملوثات داخل المنزل. وقد خلصت مراجعة لدراسات جودة الهواء الداخلي إلى أن تحسين التهوية والحد من التلوث من مصدره من أكثر الاستراتيجيات فعالية لتحسين جودة الهواء الداخلي.
بعد ذلك، يمكن النظر إلى روتين استخدام المنتجات بدلاً من المنتجات الفردية. إذا كان الشخص يستخدم بانتظام العديد من منتجات العناية الشخصية أو التنظيف المعطرة، فيمكن أن يفكر فيما إذا كان بحاجة إليها جميعاً. تُعدّ المنتجات الاستهلاكية المعطرة، مثل مواد التنظيف ومعطرات الجو وكريمات البشرة، مصدراً شائعاً لتلوث الهواء الداخلي. إن اختيار بدائل خالية من العطور، أو استخدام عدد أقل من المنتجات المتشابهة، أو تخصيص المنتجات ذات الروائح القوية للاستخدام العرضي، يُمكن أن يُقلل من التعرض المتكرر لبعض المواد الكيميائية المرتبطة بالعطور.
وفيما يخص الطعام، يجب التركيز على العادات الغذائية السليمة التي تُعزز الصحة العامة. يُوصى بغسل الفواكه والخضراوات جيداً بالماء الجاري، وتناول نظام غذائي متنوع بدلاً من الاعتماد بشكل كبير على نفس الأطعمة يومياً. نظراً لاختلاف بقايا المبيدات بين الأطعمة، فإن تناول مجموعة متنوعة من الأطعمة يمكن أن يُساعد في تقليل التعرض المتكرر لبقايا المبيدات من نفس الأطعمة، مع العلم أنه لا يُزيل التعرض للمبيدات تماماً.
المصدر: العربية





