نتنياهو وغزة: جبهة استُنزفت عسكريا وفقدت قيمتها الانتخابية
<p style="text-align: justify;">رغم التسريبات الإسرائيلية المتكررة حول خطط عسكرية جديدة في قطاع غزة، وآخرها ما نقلته القناة 13 العبرية عن توصيات من الأجهزة الأمنية لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ببدء عملية عسكرية تهدف إلى نزع سلاح حركة حماس، إلا أن القراءة السياسية للمشهد الإسرائيلي والإقليمي تشير إلى أن الذهاب نحو عملية واسعة النطاق في غزة لا يزال خيارًا مستبعدًا في المرحلة الحالية.</p>
<p style="text-align: justify;">فالواقع الميداني في القطاع لا يعكس تحضيرات لعملية حاسمة بقدر ما يعكس استمرار السياسة القائمة منذ أشهر، والمتمثلة في التقدم التدريجي داخل المناطق العازلة، وتوسيع ما بات يعرف بـ"المنطقة الصفراء" خطوة بعد أخرى، بالتوازي مع عمليات الاستهداف الجوية والاغتيالات والضغط العسكري المستمر. وهي سياسة تهدف إلى استنزاف المقاومة وإدارة الصراع، لا إلى حسمه بصورة نهائية.</p>
<p style="text-align: justify;">في المقابل، لا تزال المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في حالة استنفار مرتفعة على جبهتي لبنان وسوريا، حيث تنظر تل أبيب إلى هاتين الساحتين باعتبارهما أكثر حساسية وخطورة على الأمن الإسرائيلي. وهذا الواقع يحدّ من قدرة الجيش على الانخراط في عملية عسكرية واسعة وطويلة الأمد داخل قطاع غزة، خصوصًا أن أي عملية من هذا النوع تحتاج إلى حشد كبير للقوات والموارد العسكرية والسياسية.</p>
<p style="text-align: justify;">إلى جانب الاعتبارات العسكرية، تبدو الحسابات السياسية الداخلية أكثر تأثيرًا في قرار نتنياهو. فغزة لم تعد تمثل بالنسبة له ساحة يمكن من خلالها تحقيق مكاسب سياسية أو انتخابية. فمنذ بدء الحرب استخدمت إسرائيل مختلف أدواتها العسكرية داخل القطاع، ومع ذلك لم تستطع إعلان نهاية المعركة أو تحقيق الأهداف التي وضعتها بصورة كاملة. ولذلك فإن إعادة فتح ملف غزة عبر عملية واسعة جديدة لن تُقنع جزءًا كبيرًا من الناخبين الإسرائيليين بوجود إنجاز جديد، بل قد تثير تساؤلات إضافية حول أسباب استمرار الحرب وعدم حسمها حتى الآن.</p>
<p style="text-align: justify;">كما أن المعارضة الإسرائيلية تستعد على الأرجح لتصعيد انتقاداتها للحكومة بشأن إدارة الحرب في غزة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. فبدلاً من أن تكون غزة ورقة قوة بيد نتنياهو، قد تتحول إلى عبء سياسي يلاحقه خلال الحملات الانتخابية المقبلة، باعتبارها جبهة استنزفت قدرات إسرائيل العسكرية والسياسية دون الوصول إلى صورة انتصار واضحة.</p>
<p style="text-align: justify;">وتزداد هذه المعادلة تعقيدًا مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية. فالمشهد السياسي الداخلي يتجه نحو مرحلة انتخابية مبكرة، بعد الخلافات التي شهدها الائتلاف الحكومي مع الأحزاب الدينية الحريدية، وما تبعها من خطوات برلمانية فتحت الباب أمام إمكانية حل الكنيست والتوجه إلى انتخابات جديدة. ومع وجود تقديرات تتحدث عن إمكانية إجراء الانتخابات بين سبتمبر وأكتوبر، فإن الوقت المتاح أمام نتنياهو لا يبدو كافيًا لإطلاق عملية عسكرية واسعة وتحقيق نتائج ملموسة يمكن تسويقها انتخابيًا.</p>
<p style="text-align: justify;">يضاف إلى ذلك أن حزب الليكود نفسه مقبل على انتخابات داخلية (برايمرز) لترتيب قائمته الانتخابية، ما يجعل اهتمام نتنياهو منصبًا بصورة أكبر على إدارة التوازنات الحزبية الداخلية والاستعداد للاستحقاق الانتخابي القادم، بدل الانخراط في حرب جديدة غير مضمونة النتائج.</p>
<p style="text-align: justify;">أما العامل الخارجي، فلا يقل أهمية عن العوامل الداخلية. فالتسريبات الإسرائيلية نفسها تتحدث عن مخاوف من أن الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب قد لا تمنح إسرائيل هامشًا مفتوحًا للتحرك العسكري في غزة، بل قد تدفع باتجاه إبداء مرونة أكبر في الملفات السياسية والأمنية المرتبطة بالقطاع. وهذا يعني أن أي قرار بتوسيع الحرب لن يكون قرارًا إسرائيليًا داخليًا خالصًا، بل سيخضع أيضًا لحسابات العلاقة مع واشنطن وأولوياتها في المنطقة.</p>
<p style="text-align: justify;">بناءً على ذلك، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال الأشهر المقبلة ليس شن عملية عسكرية شاملة في غزة، وإنما استمرار النهج الحالي القائم على الضغط العسكري المتدرج، وتوسيع مناطق السيطرة الميدانية بصورة بطيئة، مع إبقاء القطاع تحت حالة استنزاف مستمرة. فإسرائيل تدرك أن فتح جبهة واسعة جديدة في هذا التوقيت قد يضيف أعباءً سياسية وعسكرية أكثر مما يوفره من مكاسب، خصوصًا في ظل اقتراب الانتخابات وتعقيدات المشهد الإقليمي.</p>
<p style="text-align: justify;">وعليه، فإن الحديث عن عملية كبرى لنزع سلاح حماس قد يكون جزءًا من رسائل الضغط والتفاوض وإدارة النقاش الداخلي الإسرائيلي أكثر من كونه قرارًا عسكريًا جاهزًا للتنفيذ في المدى القريب.</p>
المصدر: القدس
