نتنياهو 1996
على نزيف غزة، واستمرار حالة التعثر في الوصول إلى نهاية للمأساة، تبقى الدعاية الإسرائيلية للهروب من الاستحقاق السياسي تجاه الفلسطينيين بحاجة لوجود “حماس” الحركة القادرة على تقديم الذرائع الكافية لكي تبرر لإسرائيل المماطلة في تنفيذ أي اتفاق. هي معادلة التزامن في صعود حماس ونتنياهو سنة 1996 عندما أخذت حماس والجهاد الإسلامي مسار العمليات الانتحارية، والتي ترافقت مع خطاب مناهض لاتفاقية أوسلو الموقعة في 1993 في تزامن مع خطاب التطرف الإسرائيلي الذي كان قد سبق ذلك باغتيال اسحق رابين في نوفمبر 1995 ثم جاءت عملية اغتيال يحي عياش بعد شهرين في غزة، وهو ما يعكس تكوين الحكومات الإسرائيلية التي تلجأ إلى فتح جبهات وخلق أزمات خارجية عند كل أزمة داخلية.
بعد اغتيال يحي عياش مطلع 1996 كان بيريز ينتظر انتخابات الكنيست بعد أقل من خمسة أشهر في أيار مايو من نفس السنة، غير أن موجة العمليات الانتحارية التي أطلقتها حماس والجهاد الإسلامي في شهري فبراير ومارس وهي الموجة التي اعتبرتها حماس في وقت لاحق عملاً مدروساً بقصد منع الاستمرار في مسار أوسلو، ونتج عن انتخابات أيار مايو 1996 مجيء نتنياهو ليكون علامة فارقة في المشهد الإسرائيلي، فقد خسرت مساحة الاستفتاء على مسار شمعون بيريز في العملية السياسية لصالح مسار الأمن الذي طرحه نتنياهو لأن السلام من وجهة نظره لم يعد كافياً، ولذلك ابتدأ عهده في سبتمبر من ذات السنة في المواجهات التي جرت في القدس وما نتج عنها من خسائر فلسطينية فادحة، على إثر مشروع نفق البراق الذي وضعته حكومته في محاولة لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى.
وهي الحقبة التي جاء الترويج الإخواني عبر إعلامهم والإعلام الشريك لمسار حماس كبديل للسلطة الفلسطينية، وفيه حققت حماس صعوداً على المستوى الإعلامي، وإلى جانبها نتنياهو الذي ظهر في الشارع الإسرائيلي كزعيم يميني متشدد يدافع عن القدس، كما تميزت حقبته الأولى بالاستيطان وتجميد مسار أوسلو، وصولاً إلى انتخابات 1999 والتي سقط فيها لصالح عودة حزب العمل من جديد بسبب عوامل إضافية دخلت المشهد الإسرائيلي، إذ كان برنامج إيهود باراك الانتخابي الانسحاب من لبنان وعملية سياسية مع سوريا، خصوصاً وأن لبنان كانت نقطة استنزاف مادي وسياسي لإسرائيل على مدار 18 سنة من احتلال الجنوب، وهو ما نفذه باراك نهاية أيار مايو 2000 ولكن وبعد أربعة أشهر كانت الانتفاضة الثانية تنطلق اثر اقتحام شارون للمسجد الأقصى، وليرحل ايهود باراك في مارس من العام التالي تاركا السلطة لليمين الإسرائيلي من جديد، وكان من الممكن أن يعود نتنياهو لكن خلافاته حول مسألة حل الكنيست جعلت شارون يتولى رئاسة الوزراء عبر الذهاب الى حكومة وحدة وطنية استمرت طوال فترة الانتفاضة الثانية، غير أنه شارك كوزير للمالية في حكومة شارون الثانية، ثم ليستقيل بسبب خطة الانفصال عن غزة في اغسطس2005 وقال في حينها ان الانفصال عن غزة ” سيحول غزة الى قاعدة للإرهاب” وعلى غير المتوقع بعد عودته للسلطة في سنة 2009 عزز نتنياهو وجود حماس في غزة، وغض الطرف عن تسلل السلاح اليها، وفتح لها بوابة حقائب المال النقدي بشكل شهري منذ سنة 2018 وكانت هذه مفارقة كبرى.
امتدت حقبة نتنياهو من الحكومة الثانية حتى الخامسة بشكل متواصل بواقع 12 سنة وشهرين، وكانت أطول فترة لرئيس حكومة في تاريخ إسرائيل، ثم جاءت الحكومة السادسة نهاية 2022 بعد خروجه من السلطة مدة سنة وستة أشهر لصالح حكومة التغيير بزعامة “بنيت – لبيد” قبل أن يعيد نتنياهو تشكيلة تحالفاته مع الأحزاب الدينية ويعود للسلطة مجدداً عبر الحكومة التي لا تزال مستمرة، وتبقى المعادلة، ان حماس أدخلته رئاسة الوزراء سنة 1996 وأعادته في الحكومة السادسة عبر دفع الشارع الإسرائيلي نحو مزيد من التطرف، ثم أنقذته عبر أكتوبر 2023 عندما كان سيسقط للأبد، بينما توقفت عن معادلة إنقاذ غزة ولا تزال. خصوصاً أمام حالة عدم اليقين في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، فما يجمع اليمين المتطرف وحماس أنهما يريدان الضفة الفلسطينية قنبلة موقوتة، وهذا ما قد يجعل من التقلبات الحزبية ممكنة الحدوث، أمام مؤشرات التباعد والتقارب في نسبة التصويت، ما يعني أن اقتراب معسكر “آيزنكوت” من الحسم مثار شك، رغم أن كلا المعسكرين ينتميان إلى اليمين الذي يرفض الدولة الفلسطينية، فالانتخابات القادمة قد تجعل من آزينكوت شريكاً في حكومة يقودها نتنياهو، وحتى لو سقط نتنياهو وهذا مثار شك أيضاً، فمسألة التعطيل السياسي التي بدأها نتنياهو في ولايته الأولى باتت اليوم لازمة لدى مختلف أحزاب اليمين، والذرائع للجميع هي حماس، فهل تغادر حماس المشهد قبل الانتخابات الإسرائيلية بما يعيد للسياسة بعض لونها، أم تبقي بوابة الذرائع التي افتتحتها سنة 1996 مفتوحة.
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)