نداء إلى القاهرة: تجنبوا سقوط الأبيض
عندما وصلت التحذيرات الدولية بشأن احتمال تعرض مدينة الأبيض لاجتياح واسع من جانب قوات الدعم السريع إلى مجلس الأمن الدولي، لم يكن الأمر مجرد تطور جديد في مسار الحرب السودانية الممتدة منذ أكثر من ثلاث سنوات، بل بدا تعبيرا عن حالة من القلق المتصاعد داخل الأوساط الأممية والغربية من إمكانية تكرار السيناريو الذي شهدته مدينة الفاشر، وما ارتبط به من عجز دولي عن منع انهيار مركز حضري رئيسي، وتحوله إلى ساحة مفتوحة للانتهاكات الجماعية، والنزوح القسري، والتغيرات الديموغرافية ذات الأبعاد العرقية.
أما فيما يخص مصر فإن سقوط مدينة الأبيض السودانية يعني ببساطة تحول بيانات الحفاظ علي وحدة السودان وعدم الإعتراف بكيانات موازية الي محتوي غير واقعي بالمرة ، ولايجوز تكراره كموقف دبلوماسي مصري ، كما يعني مزيد من التدفق السوداني نحو مصر بعد فقدان كل أمل في وقف الحرب السودانية ، كعمل عسكري ووقف التصنيف العرقي كفعل سياسي وأجتماعي ..
الحرب السودانية خلال العامين الماضيين لم تعد يتم قراءتها باعتبارها صراعا بين مؤسستين عسكريتين متنافستين على السلطة، وإنما أصبحت أزمة مركبة تتداخل فيها اعتبارات بناء الدولة، والصراعات المحلية حول الموارد، والتوازنات العرقية، والتنافسات الإقليمية، فضلا عن التداعيات الإنسانية.
من هذه الزاويا جميعا ، تبدو مدينة الأبيض اليوم مرشحة للتحول إلى نقطة جديدة في الحرب، وربما إلى محطة أكثر حساسية من الفاشر نفسها، بالنظر إلى موقعها الجغرافي، وأهميتها الاقتصادية، وطبيعة تركيبتها الاجتماعية، وتأثير السيطرة عليها في إعادة رسم التوازنات العسكرية داخل السودان.
ويمكن القول إن المقارنة بين التحذيرات المتعلقة بالفاشر وتلك الخاصة بالأبيض تكشف عن تحول مهم في إدراك المجتمع الدولي لطبيعة الحرب السودانية.
ففي حالة الفاشر، كانت المؤشرات المبكرة للأزمة واضحة منذ بداية عام 2024. فقد شهدت المدينة حصارا تدريجيا فرضته قوات الدعم السريع على منافذ الدخول والخروج، وتعرضت خطوط الإمداد الإنسانية للانقطاع، بينما أخذت مخيمات النازحين، وعلى رأسها مخيم زمزم، تدخل مرحلة المجاعة الفعلية. وفي الوقت نفسه، كانت التقارير الحقوقية تتحدث عن وجود مخاطر جدية لوقوع جرائم تستهدف مجموعات سكانية بعينها، استنادا إلى السوابق التي شهدتها مدن غرب دارفور، وخاصة الجنينة.
غير أن المجتمع الدولي تعامل مع تلك المؤشرات بوصفها أزمة إنسانية قابلة للاحتواء، وليس بوصفها مؤشرات إنذار مبكر على تحول استراتيجي في الحرب. ولم تتجاوز ردود الفعل الدولية حدود البيانات السياسية، والدعوات إلى فتح ممرات إنسانية، والتلويح بفرض عقوبات على بعض القيادات الميدانية.
وعندما سقطت الفاشر فعليا، بدا واضحا أن المجتمع الدولي كان يراقب الأزمة دون امتلاك أدوات فعالة لمنعها. ولم تقتصر تداعيات ذلك على الجانب الإنساني فقط، وإنما امتدت إلى المجال السياسي والعسكري، حيث أدى سقوط المدينة إلى تكريس هيمنة الدعم السريع على معظم إقليم دارفور، وإلى إضعاف قدرة الجيش السوداني على المناورة غرب البلاد.
أما في حالة الأبيض، فإن التحذيرات جاءت في مرحلة أكثر تقدما من حيث الاستعداد السياسي. فقد جرى طرح المسألة بصورة مباشرة داخل مجلس الأمن، كما تحدثت أطراف أممية وغربية عن وجود مخاطر وشيكة لارتكاب فظائع جماعية، وعن ضرورة التحرك بصورة استباقية.
ويكشف هذا الاختلاف عن أن المجتمع الدولي يحاول هذه المرة تجنب تكرار ما يمكن وصفه بـ”عقدة الفاشر”، أي امتلاك المعرفة الكافية بالمخاطر دون القدرة أو الإرادة السياسية لمنع وقوعها..
وإذا كانت الفاشر تمثل العاصمة التاريخية والسياسية لدارفور، فإن الأبيض تمثل أحد أهم الأعمدة الاقتصادية للدولة السودانية.
فالمدينة التي عرفت تاريخيا باسم عروس الرمال لم تكتسب مكانتها من حجمها السكاني فقط، وإنما من وظيفتها الاقتصادية الممتدة عبر قرون طويلة.
كانت الأبيض منذ القرن التاسع عشر نقطة التقاء للقوافل التجارية القادمة من دارفور ووسط أفريقيا والمتجهة نحو وادي النيل والبحر الأحمر. وقد أسهم موقعها الجغرافي في تحويلها إلى مركز لتجميع المنتجات الزراعية والحيوانية، وإلى سوق إقليمية لعبت دورا محوريا في تشكيل الاقتصاد السوداني التقليدي.
ومع تطور الدولة السودانية الحديثة، أصبحت المدينة مركزا رئيسيا لتجارة الصمغ العربي، وهو المنتج الذي احتفظ السودان لعقود طويلة بالموقع الأول عالميا في إنتاجه وتصديره. كما برزت الأبيض بوصفها سوقا مركزية للماشية والحبوب الزيتية.
ولا تتوقف أهمية المدينة عند النشاط التجاري، وإنما تمتد إلى قطاع النقل والخدمات اللوجستية. فالأبيض تمثل عقدة مواصلات تربط بين دارفور وكردفان من جهة، والخرطوم والولايات الشمالية والشرقية من جهة أخرى. كما تضم شبكة طرق استراتيجية، وخطوط سكك حديدية، ومطارا مدنيا وعسكريا، فضلا عن مخازن وساحات تجارية تشكل جزءا مهما من البنية الاقتصادية للبلاد.
ومن الناحية المالية، تعد المدينة مركزا لتداول رؤوس الأموال المحلية المرتبطة بالنشاط الزراعي والرعوي، وهو ما جعلها تحتفظ بدور اقتصادي مؤثر حتى خلال سنوات الحرب، رغم ما تعرضت له من ضغوط متزايدة..
أما علي الصعيد العسكري تمثل الأبيض بالنسبة للجيش السوداني ما يشبه خط الدفاع المتقدم عن وسط السودان.
فالمدينة بها قيادة الفرقة الخامسة مشاة، وتعد إحدى أهم القواعد العسكرية في إقليم كردفان. كما أنها تتحكم في محاور الحركة الممتدة نحو النيل الأبيض والخرطوم، وتتيح للجيش الاحتفاظ بقدرة على المناورة بين دارفور والولايات الوسطى.
وبالنسبة للدعم السريع، فإن السيطرة على الأبيض ستوفر مكاسب استراتيجية متعددةستسمح بربط مناطق النفوذ الممتدة من نيالا والضعين والفاشر وصولا إلى كردفان في نطاق جغرافي متصل.
كما ستفتح المجال أمام الضغط على الولايات الوسطى، وربما تهديد خطوط الإمداد المتجهة نحو شرق السودانوفضلا عن كل ذلك ستعزز من قدرة الدعم السريع على تقديم نفسه بوصفه سلطة مهيمنة على معظم غرب السودان، بما يمنحه أوراقا تفاوضية إضافية في أي عملية سياسية مستقبلية..
ربما يكون الجانب الأكثر إثارة للقلق في التحذيرات الدولية هو ما يتعلق بالأبعاد العرقية.،فقد أظهرت الحرب السودانية أن الانقسامات الإثنية لم تعد مجرد خلفية اجتماعية للنزاع، بل أصبحت في بعض المناطق أحد محركاته الأساسية.
ففي دارفور، تداخل الصراع العسكري مع تنافسات قديمة حول الأرض والمراعي والسلطة المحلية. وأدت عمليات التعبئة المسلحة إلى إعادة إنتاج ثنائيات العرب وغير العرب بصورة أكثر حدة.
وقد ارتبط اسم الدعم السريع، بحكم جذوره الاجتماعية وتكوينه الأول، ببعض المجموعات العربية الرعوية، بينما ارتبطت المقاومة المحلية في أجزاء من دارفور بمكونات إثنية أخرى، خاصة الزغاوة والفور والمساليت.
وقد ساهمت الانتهاكات الواسعة التي شهدتها الجنينة والفاشر في ترسيخ شعور عميق بالخوف لدى المجتمعات غير العربية من أي تقدم عسكري جديد للدعم السريع.
أما في الأبيض فتبدو المعادلة أكثر تعقيدا ،فالمدينة ليست ذات أغلبية عرقية واحدة، بل تمثل نموذجا مصغرا للتنوع السوداني. إذ تضم قبائل الجوامعة والحمر والكبابيش ودار حامد وكنانة والهواوير، إلى جانب أعداد كبيرة من سكان دارفور الذين نزحوا خلال العقود الماضية، فضلا عن مجموعات من النوبة والتجار القادمين من مناطق مختلفة.
وهذا التنوع كان تاريخيا مصدر قوة للمدينة، لكنه قد يتحول في ظل الحرب الحالية إلى عامل هشاشة إذا جرى توظيفه في التعبئة العسكرية أو في عمليات الانتقام المتبادل
وفي ضوء كل المعطيات السابقة هناك تقدير أن خسارة الأبيض قد تكون أكثر تأثيرا على مستقبل السودان من خسارة الفاشر.
فالفاشر تقع ضمن إقليم أصبح إلى حد كبير ساحة حرب مفتوحة منذ سنوات طويلة، بينما تقع الأبيض في منطقة تشكل جسرا بين السودان النيلي والسودان الغربي.
كما أن سقوطها قد يسرع من تشكل وقائع سياسية جديدة تقوم على وجود مناطق نفوذ شبه مستقلة، بما يعزز المخاوف المتعلقة بتفكك الدولة السودانية.
ويضاف إلى ذلك أن الأبيض تستضيف أعدادا ضخمة من النازحين الذين فروا أصلا من الفاشر ودارفور، الأمر الذي يعني أن تعرضها للحصار أو الاقتحام سيؤدي إلى موجة نزوح ثانية أكثر تعقيدا، لأن الخيارات المتاحة أمام المدنيين ستكون محدودة للغاية.
في نهاية المطاف، تبدو قضية الأبيض اختبارا حقيقيا لما إذا كان المجتمع الدولي قد استوعب دروس الفاشر أم لا.
فالسودان خلال السنوات الماضية تحول إلى نموذج للأزمات التي تتراكم فيها المعلومات المبكرة عن المخاطر، دون أن تتوافر الإرادة السياسية الكافية لمنع تحولها إلى كوارث إنسانية.
وقد أثبتت تجربة الفاشر أن البيانات الدولية وحدها لا توقف الجيوش، وأن التحذيرات الأخلاقية لا تغير حسابات الفاعلين المسلحين، ما لم تقترن بضغوط اقتصادية وسياسية وإقليمية مؤثرة.
لذلك فإن المعركة المحتملة حول الأبيض تتجاوز حدودها المحلية. إنها معركة حول مستقبل الدولة السودانية وإلى محطة إضافية في مسار إعادة تشكيل السودان على أسس جغرافية وعرقية يصعب التنبؤ بمآلاتها النهائية
<p>The post نداء إلى القاهرة: تجنبوا سقوط الأبيض first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360

