ندوة « جداريات أصيلة » تستحضر تاريخ فن الفضاء العام ودوره في صناعة هوية المدينة
احتضن مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، اليوم الجمعة، ندوة فنية بعنوان « جداريات أصيلة: نحو هوية بصرية للمدينة »، ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي لسنة 2026، بمشاركة نخبة من الفنانين التشكيليين والنقاد، الذين ناقشوا التجربة الفريدة لجداريات أصيلة بوصفها أحد أبرز نماذج الفن العمومي بالمغرب والعالم العربي، قبل افتتاح معرض جماعي بعنوان « أصيلة في ظل ألوانها » برواق محمد بن عيسى للفنون الجميلة، والذي يستمر إلى غاية 31 غشت المقبل.

وأكد الناقد الفني شرف الدين مجدولين أن تجربة أصيلة تمثل محطة مفصلية في تاريخ الفن العمومي، معتبرا أن ورش الجداريات الذي بصم المدينة منذ عقود أسهم في بناء علاقة جديدة بين الأجيال وفن الرسم في الفضاء العام، وجعل المدينة فضاء مفتوحا للإبداع والحوار البصري.
وأوضح أن الفن عرف تحولات تاريخية كبرى، إذ « خرج قبل أربعة قرون من الكنيسة إلى المتحف، مغادرا المجال المقدس مع بروز الدولة الحديثة، ثم غادر المتحف بدوره نحو الفضاء العام »، لافتا إلى أن مسار الفن انتقل من مركزية المقدس إلى مركزية المتحف، قبل أن يبرز فن الشارع باعتباره شكلا جديدا من التعبير الفني.
وأضاف أن جداريات أصيلة لا تقتصر على بعدها الجمالي، بل تحمل بعدا تاريخيا ونقديا، إذ امتزجت فيها موضوعات متعددة، وحضر فيها النقد والسخرية والدعابة، مما جعلها إحدى التجارب المؤسسة للفن التشكيلي المغربي.
من جانبه، أبرز حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، أن تجربة الجداريات، التي انطلقت سنة 1978، أصبحت من أبرز تجليات المدينة، وأسهمت في إعادة تعريف العلاقة بين الفن والمجتمع عبر نقل الإبداع من القاعات المغلقة إلى الشارع.
وأشار إلى أن الجداريات تحولت إلى جزء من شخصية أصيلة وهويتها البصرية، كما أصبحت مدرسة للتربية على البيئة وتعزيز الإحساس بالانتماء، مؤكدا أن الفن العمومي قادر على تغيير المكان وإعادة تشكيل علاقة الإنسان بفضائه.
أما الفنان عبد الكريم الوزاني، فاستعاد بدايات ارتباطه بأصيلة منذ سنة 1986، مشيرا إلى أن فن الجداريات استلهم في بداياته التجربة المكسيكية التي ارتبطت بقضايا اجتماعية وثورية، قبل أن يتطور لاحقا ليصبح تعبيرا فنيا قائما بذاته.
وأضاف أن سكان أصيلة أصبحوا يحافظون على الجداريات باعتبارها جزءا من ذاكرتهم الجماعية، مستحضرا تجربته في إنجاز جدارية أمام مدرسة للأطفال، في تأكيد على ارتباط الفن بالتربية والمجال العمومي.
بدوره، استعرض الفنان التشكيلي بوزيد بوعبيد، ابن مدينة تطوان، تجربته الطويلة مع جداريات أصيلة، حيث شارك في إنجاز وترميم عدد من الأعمال الخالدة، كما أشرف على ورشات لفن الشارع.
وأشار إلى أن المشروع الذي أطلقه الراحلان محمد بن عيسى ومحمد المليحي عرف تطورا مستمرا، إذ تغيرت فكرة الجدارية مع مرور الزمن، موضحا أنه أنجز في هذه الدورة جدارية اعتمدت أساسا على اللونين الأبيض والأزرق مع لمسات صفراء.
وأضاف أن سكان أصيلة أصبحوا « تشكيليين » بطريقتهم الخاصة، وأن أطفال المدينة الذين بدأوا بالرسم في ورشات الجداريات تحول عدد منهم إلى فنانين محترفين أو هواة، مبرزا أن دورة هذه السنة شهدت إنجاز جداريات جماعية عززت روح المشاركة.
ومن جهته، وصف الفنان التشكيلي السوري خالد الساعي، المتخصص في فن الحروفيات، مدينة أصيلة بأنها « متحف مفتوح »، مؤكدا أن الجدارية تمتلك خصوصيتها لأنها تستلهم المكان وتوجه رسالة بصرية مباشرة إلى المجتمع.
وقال الساعي إنه، رغم كونه فنانا سوريا، اختار أن ينجز معرضا عن أصيلة بدل دمشق، في تعبير عن المكانة الفنية والثقافية التي أصبحت تحتلها المدينة في المشهد التشكيلي.
أما الفنان محمد مرابطي، أحد أعمدة الفن المعاصر بالمغرب، فاعتبر أن أصيلة أصبحت مدرسة حقيقية للجداريات ولتربية الذوق الجمالي، مشيرا إلى أن الاهتمام بالنظافة والعناية بالمجال العام كان مدخلا لتقبل الفن في الشارع.
وأضاف أن المدينة انتقلت من ثقافة نظافة الفضاء إلى ثقافة الجداريات، مؤكدا أن أصيلة كانت بالنسبة إلى أجيال من الفنانين بمثابة « الحج الفني » الذي يقصدونه للتعلم واكتساب التجربة.
وشهدت الندوة أيضا مداخلة للفنانة شروق المليحي، ابنة مدينة أصيلة، التي تحدثت عن تجربتها الشخصية في التكوين وسط الفنانين التشكيليين منذ طفولتها، مؤكدة أن المدينة علمتها قيمة الاختلاف والانفتاح، وأن الجداريات وثقت عبر السنوات قضايا إنسانية كبرى، من بينها القضية الفلسطينية وقضايا البيئة، لتتحول إلى ذاكرة بصرية حية تعكس تفاعل الفن مع المجتمع وقضاياه.
المصدر: اليوم 24



