نساء يواجهن المساومة على النفقة والمؤخر مقابل حق تربية أطفالهن
بغداد / تبارك عبد المجيد
تتحول الحضانة، في كثير من القضايا، إلى ورقة ضغط تستخدم لإجبار النساء على التنازل عن حقوقهن المالية، مثل النفقة أو المؤخر، مقابل الاحتفاظ بحق تربية أطفالهن. ولا يقف هذا النوع من الابتزاز العاطفي عند حدود انتهاك حقوق المرأة، بل يتحول إلى أذى نفسي يطال الطفل، حين يزج به في صراع لا علاقة له به، بما قد يترك آثارا على نموه السلوكي والتحصيلي مستقبلا.
وتروي أم، رفضت الكشف عن هويتها، مأساتها مع تعقيدات التفسيرات القانونية، قائلة: “تلقيت تبليغا قضائيا يقضي بسحب حضانة أطفالي مني، وبعد مراجعة المحكمة اكتشفت أن طليقي لجأ إلى تحويل عقد الزواج إلى المدونة الجعفرية، التي منحته الحق في انتزاع أطفالي البالغين من العمر 8 و10 سنوات، من دون الالتفات إلى حقهم في التخيير أو مراعاة رغبتهم في البقاء معي”.
وتضيف الأم لـ”المدى”، بنبرة يملؤها الألم، أن “أطفالي يرفضون الذهاب معه بشدة، خاصة أنه كان غائبا عن تفاصيل حياتهم طوال السنوات الماضية، ولم يمارس دوره كأب منذ صغرهم”.
وتتابع أنها حين حاولت الاستفسار عن إمكانية الوصول إلى حل وسط يحفظ استقرار الأطفال، كان رد فعله صادما، إذ اشترط التنازل عن حضانتهم مقابل أن “أدفع له مبالغ النفقة التي كان ينفقها عليهم سابقا”، ليتحول الأطفال، بحسب قولها، إلى ورقة للمساومة والابتزاز المادي.
وتلفت إلى أن النفقة “كانت لا تكفي معيشة أطفالي، لذلك عملت في الخياطة والخبز، في المقابل هو تزوج ولم يسأل عنهم”.
في هذا السياق، تتحدث الحقوقية منى جعفر، وهي ناشطة، عن أبرز الثغرات القانونية المرتبطة بعدم مراعاة مصلحة المحضون في قرارات الحضانة من الناحية النفسية، مؤكدة أنها تسبب “تراكمات على حياة المحضون ودراسته”. وتقول جعفر لـ”المدى”، إن هناك تعارضا وصفته بـ”الكبير” بين النص القانوني وتطبيقه، مبينة أن “الآثار السيئة لا تظهر بشكل واضح إلا بعد مرور مدة زمنية”. وتقترح أن “تتم دراسة القرارات من الجوانب كافة؛ النفسية والقانونية”. وتردف قائلة: “القوانين لم تنصف الأمهات، خاصة أنها تحاول معالجة قرار الحضانة على أنه قرار لإنهاء النزاع على الأمور المادية، بينما هو في الواقع قرار يحسم مصير تربية الأطفال ووضعهم النفسي”.
وبالحديث بشكل أدق عن الجانب القانوني، توضح جعفر أن “الأمور غير واضحة حتى الآن من جانب تحديد المصلحة”، مضيفة أن “القانون الحالي ينظر إلى المحضون على أنه محل للنزاع، متجاهلا مصلحته ووضعه النفسي”.
وتشدد على ضرورة إعادة النظر في مصلحة الأطفال، وجعل المواد القانونية أكثر أمانا واستقرارا للأطراف كافة.
من جانبها، تعتقد الناشطة النسوية لوديا ريمون أن الجدل حول تعديلات قانون الأحوال الشخصية ساهم في الكشف عن “مشاكل جوهرية تتعلق بحقوق النساء بعد الطلاق، خاصة في القضايا المرتبطة بالحضانة والولاية على الأطفال”.
وتعبر لوديا، في حديثها لـ”المدى”، عن وجود مخاوف لدى الأمهات من أي تعديلات قد تطرأ على القانون أو المدونة، ومن شأنها تقليل دورهن كأمهات، فضلا عن وجود تفسيرات تختلف باختلاف الجهات والمحاكم ورجال الدين.
وترى لوديا أن “الأطفال بحاجة إلى بيئة تتسم بالاستقرار والأمان”، مؤكدة أن الأم، في الغالب، قريبة من توفير ذلك، كونها أكثر قربا من تفاصيل أطفالها اليومية في التربية والعناية.
وتشدد على ضرورة أن تنطلق التعديلات من مصلحة الطفل، لا من منطلق السيطرة أو الضغط على النساء حتى يتراجعن عن خطوة الانفصال، خاصة أن أغلب النساء يفضلن البقاء مع أولادهن وألا يسلبوا من أحضانهن، مهما كانت ظروف العيش قاسية.
وبالحديث عن المحاكم، تشير لوديا إلى وجود محاكم تنصف بعض الحالات، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أنه “لا يمكن الجزم بأن القانون الحالي كامل أو عادل في كل تفاصيله”، مبينة أن “بعض المواد تحتاج إلى مراجعة لضمان حقوق الأم والطفل بشكل أوضح، لأن الإجراءات الطويلة أو بعض التفسيرات القانونية تدخل المرأة أحيانا في معاناة مستمرة للحصول على حق أساسي لها ولأطفالها”.
وتوضح أن “المطلوب ليس الانحياز لطرف ضد آخر، بل تشريع قانون يراعي مصلحة الطفل ويحفظ كرامة الأم في الوقت نفسه، خصوصا في الحالات التي يكون فيها الأب متوفيا ولديه أموال، إذ تدخل كثير من النساء في نزاعات مع أهل الأب بحجة الحضانة، وفي بعض الأحيان يحكم الأطفال لصالح الجد أو الجدة”.
وتضيف أن “أبرز المخاوف اليوم تتمثل في استخدام ملفات الحضانة والنفقة كوسيلة ضغط بعد الطلاق، إذ تتحول القضية أحيانا من مسؤولية تجاه الطفل إلى صراع لمعاقبة المرأة أو ابتزازها نفسيا وماديا، عبر مطالبتها بالتنازل عن حقوقها أو النفقة مقابل التنازل عن الحضانة”. وتشير إلى أن “العديد من النساء يعانين من المماطلة في دفع النفقة أو استغلال الثغرات القانونية لإبقائهن تحت ضغط دائم”، مؤكدة أن “أي إصلاح قانوني يجب أن يسد هذه الثغرات ويوفر حماية حقيقية للمرأة والطفل، بعيدا عن المزاجية أو استغلال النفوذ”.
The post نساء يواجهن المساومة على النفقة والمؤخر مقابل حق تربية أطفالهن appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى