نقابة عمالية أخافت السوفيت.. ووضعت بولندا على أعتاب تدخل عسكري
مع نهاية الحرب العالمية الثانية، اتجه الاتحاد السوفيتي لفرض هيمنته على الدول التي حررها الجيش الأحمر من قبضة الألمان. وخلال سعيها لتكوين المعسكر الشرقي، لجأت موسكو لفرض حكومات شيوعية بهذه الدول مثيرة بذلك غضب حلفائها الغربيين السابقين.
في هذا السياق، عمد السوفيت لإجراء انتخابات مزورة والقضاء على المعارضين بهدف تسهيل وصول الشيوعيين للسلطة بهذه الدول. وفي بولندا، رفض جوزيف ستالين الاعتراف بالحكومة البولندية الموجودة بالمنفى منذ عام 1939. في المقابل، أرسى الأخير نظاماً مؤيداً لموسكو بقيادة حزب العمال البولندي الموحد الذي فرض هيمنته على بولندا ما بين 1948 و1989.

وأثناء فترة حكمه، عرف حزب العمال البولندي الموحد أسوأ أزماته ما بين 1980 و1981 حيث اضطر للتعامل مع أزمة داخلية هددت وجوده دون مساعدة عسكرية من موسكو التي عانت حينها من ويلات تدخلها بأفغانستان.
الوضع في بولندا
أواخر السبعينيات، عانت بولندا من نقص حاد بالسلع تزامن مع ارتفاع نسبة التضخم وتراجع المقدرة الشرائية للمواطنين وتدهور مستوى المعيشة. وما بين يوليو (تموز) وأغسطس (آب) 1980، اتجهت الحكومة لزيادة الأسعار متسببة بحالة من الغضب بالبلاد. كما لجأ عدد كبير من العمال، خاصة بأحواض بناء السفن في غدانسك (Gdańsk)، للإضراب.
وبقيادة ليخ فاونسا (Lech Wałęsa)، طالب العمال المضربون بتحسين الأجور وتراجع الدولة عن الزيادات التي عرفتها الأسعار.

إضافة لذلك، أكد العمال على أهمية إنشاء نقابة عمالية مستقلة لضمان حقوقهم والدفاع عنهم مستقبلاً.
وأمام هذا الوضع، أبرمت الحكومة اتفاقية مع العمال المضربين ضمن ما عرف باتفاقيات غدانسك. وبناء على ذلك، شهدت البلاد إنشاء نقابة عمالية مستقلة عرفت بحركة تضامن.
حركة تضامن
مثلت حركة تضامن أول نقابة عمالية لا يتحكم بها الحزب الشيوعي بدول حلف وارسو. وقبل انعقاد مؤتمرها بحلول سبتمبر (أيلول) 1981، ضمت هذه الحركة النقابية نحو 10 ملايين عضو أي ما يعادل قرابة ثلث العمال ببولندا حينها.

غير أن حركة تضامن أثارت قلق السلطات في موسكو التي تخوفت من إمكانية ظهور حركات عمالية مماثلة ببقية دول حلف وارسو. وبالتنسيق مع حكومتي كل من ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا، خطط الاتحاد السوفيتي، بقيادة ليونيد بريجنيف (Leonid Brezhnev)، لإجراء تدخل عسكري، ضمن حلف وارسو، ضد بولندا للقضاء على حركة تضامن.
وحسب ما تم الاتفاق عليه، قرر الثلاثة إجراء تمرين عسكري كبير على حدود بولندا بحلول ديسمبر (كانون الأول) تمهيداً للتدخل عسكرياً.
إلا أن المسؤولين بموسكو عبروا عن قلقهم من تداعيات هذا التدخل العسكري. فبسبب الحرب في أفغانستان، عانى الاتحاد السوفيتي من ضغوط وعزلة دولية. وأثناء اجتماع دول حلف وارسو بموسكو مطلع ديسمبر 1981، تراجعت موسكو عن قرار التدخل العسكري وفضلت التريث عقب وعود قدمتها الحكومة البولندية بالقضاء على حركة تضامن.
قمع للحركة النقابية
يوم 13 ديسمبر 1981، أعلنت حكومة بولندا حالة الطوارئ في البلاد واستنجدت بالجيش. وتنفيذا لهذاً القرار، تمركزت قوات الشرطة والجيش بالشوارع والمرافق العامة والمصانع لمنع اندلاع احتجاجات محتملة. تزامناً مع ذلك، باشرت قوات الأمن باعتقال قادة حركة تضامن التي تعرضت لانتقادات واتهامات بالقنوات الإعلامية الرسمية البولندية.

وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) 1982، منعت حركة تضامن من النشاط بشكل رسمي ببولندا. بينما واصل العديد من منتسبيها النشاط بشكل سري خارج البلاد.
من جهتها، أدانت الولايات المتحدة الأميركية، وحلفاءها، استخدام بولندا للقوة لقمع حركة تضامن. ثم فرضت واشنطن خلال الفترة التالية، عقوبات قاسية على بولندا متسببة بذلك في زيادة الضغط على حزب العمال البولندي الموحد، الحاكم منذ 1948، الذي انهار بحلول عام 1989.
المصدر: العربية



