نواب الأغلبية يرفضون رقابة مجلس الحسابات على ودائع المحامين ثم يمررونها بأصواتهم!
رغم الانتقادات التي عبر عنها نواب الأغلبية، دون استثناء، داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، اليوم الخميس، تجاه مقتضى إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، صوتت الأغلبية في النهاية لصالح الإبقاء على هذا المقتضى، كما ورد من مجلس المستشارين، وذلك بموافقة 17 نائبا من الأغلبية، مقابل معارضة 5 نواب من المعارضة، ودون تسجيل أي امتناع.
وكان مجلس المستشارين، أقر تعديلا في المادة 75 من مشروع القانون، ينص على إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، وفق الإجراءات والمساطر المنصوص عليها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، بهدف التحقق من قانونية وسلامة العمليات المالية والمحاسبية المرتبطة بهذا الحساب، ولا سيما عمليات الإيداع والسحب والتحويل والأداء، وتتبع الأرصدة والفوائد والمصاريف.
وقالت فطيمة بن عزة، النائبة البرلمانية عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، إن النقاش لا يتعلق برفض المراقبة أو إنكار وجود اختلالات محتملة داخل المهنة، مضيفة: « لا نقول إن المحامين ليس فيهم فاسدون، لكن لا يجب أن نخرق القانون بمقتضى يجعل حسابات الودائع أموالا عمومية ».
واستندت بن عزة إلى اجتهاد قضائي لمحكمة النقض، قالت إنه اعتبر أن حسابات الودائع لا تكتسي صفة الأموال العمومية، معتبرة أن إخضاعها لرقابة المجلس الأعلى للحسابات يطرح إشكالا قانونيا ودستوريا بالنظر إلى طبيعة هذه الأموال، التي تعود في الأصل إلى الموكلين ولا تدخل ضمن المال العام.
من جهته، حذر سعد بنمبارك، النائب البرلماني عن فريق التجمع الوطني للأحرار، من تداعيات الإبقاء على هذا المقتضى، قائلا إن ذلك من شأنه أن « يفتح على الهيئات باب جهنم ». وشدد على أن هيئات المحامين لا ترفض المحاسبة أو المراقبة، لكن الإشكال، في نظره، يكمن في مدى دستورية إسناد هذه الرقابة إلى المجلس الأعلى للحسابات.
واعتبر بنمبارك أن المحاكم المالية لا تملك، وفق الإطار القانوني القائم، صلاحية مراقبة هذه الحسابات، ما دام القضاء لم يعتبر أموال الودائع أموالا عمومية. واستحضر، في هذا السياق، اجتهادات لمحكمة النقض، تفيد بأن هيئات المحامين بالمغرب ليست مؤسسات عمومية، وأن المفهوم الجنائي للمحامي لا ينطبق على الموظف العمومي، وأن أموال الموكلين المودعة لدى المحامين ليست أموالا عمومية.
وطالب النائب البرلماني عن فريق التجمع الوطني للأحرار بسحب هذا المقتضى أو غض الطرف عنه، معتبرا أن ذلك من شأنه أن يساهم في إزالة حالة الاحتقان التي أثارها مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة بين الهيئات المهنية والسلطة الحكومية المكلفة بالعدل.
أما محمد صباري، النائب الأول لرئيس مجلس النواب وعضو فريق الأصالة والمعاصرة، فاعتبر أن تدخل المشرع قبل سنوات، في موضوع حسابات الودائع، كان ضروريا من أجل وضع حد لظاهرة التصرف في هذه الحسابات من طرف بعض المحامين، لكنه شدد في المقابل على أن الإشكال المطروح اليوم يتعلق بآلية الرقابة المقترحة، وليس بمبدأ المحاسبة في حد ذاته.
وقال صباري إن هذا النص يطرح لأول مرة على مجلس النواب بهذه الصيغة، متسائلا عما إذا كانت حسابات هيئات المحامين السبع عشرة قد شهدت اختلاسات مثبتة، قبل أن يضيف أنه « للأسف الشديد لا توجد معطيات عن وجود اختلالات ».
وأكد صباري أن حسابات هيئات المحامين لا يجب أن تكون محصنة من أي مراقبة، غير أن السؤال المطروح هو ما إذا كانت النصوص القانونية تسعف في إسناد هذا الاختصاص إلى المجلس الأعلى للحسابات.
من جهتها، اعتبرت قلوب فطيح، عضو فريق الأصالة والمعاصرة في مجلس النواب، أن مقتضيات المادة 75 « غير دستورية »، وتتناقض، بحسب تعبيرها، مع منطوق المادة 147 من الدستور، ملتمسة سحبها من مشروع القانون.
وقالت فطيح إن النقباء والهيئات « لا يمسون بشكل مطلق حسابات الموكلين »، مضيفة: « من ارتكب ذنبا يستحق العقوبة، والنيابة العامة لها آليات لتتبع الودائع وترتيب الآثار القانونية ».
وشددت المتدخلة على أن هذه المادة ساهمت في حالة الاحتقان التي يعرفها القطاع، معتبرة أنها كانت من بين أسباب « تعليق البذل السوداء » ومقاطعة جلسات المحاكم.
من جهته، دافع سعيد بعزيز، رئيس لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، عن حق أعضاء مجلس المستشارين في تعديل النصوص المعروضة عليهم، معتبرا أن « المستشارين باشروا حقا من حقوقهم، والانتقاص من عملهم أمر مؤسف، لأنه يتعلق بحق لا يمكن مصادرته لزملائنا ».
وأوضح بعزيز، وهو نائب برلماني عن الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية، أن الإشكال المطروح اليوم يرتبط بالفصل 147 من الدستور، في علاقته باختصاصات المجلس الأعلى للحسابات، الذي يهم رقابة المال العام.
وتساءل رئيس اللجنة مخاطبا وزير العدل: « هل استشرتم المجلس الأعلى للحسابات قبل أن يضاف له هذا الاختصاص؟ »، معتبرا أنه « لا يحق للمجلس الأعلى للحسابات أن يبسط رقابته على هذه الحسابات ».
من جانبه، تمسك وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، بالمقتضى المتعلق بإخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، مستغربا لكونه يطالب بمراقب مال المواطنين بينما النواب يرفضون ذلك.
واعتبر وهبي أن المحامي، في بعض الحالات، تطبق عليه مقتضيات مرتبطة بالموظف العمومي، حتى وإن لم يكن موظفا، مضيفا أن قرارا للمحكمة الدستورية اعتبر أن العدول يدبرون مرفقا عموميا.
وشدد الوزير على أن الدولة تضمن إجراءات التقاضي، متسائلا: « إذا ذهبت الأموال غدا، فالوزارة من ستؤديها؟ »، قبل أن يضيف: « أنا غير مستعد لأن أحاسب غدا على أموال حسابات الودائع ».
وأكد وهبي تمسكه بالنص كما هو، قائلا: « لتصوت الأغلبية ضد المادة، لا إشكال عندي »، مضيفا: « ماذا يضير الهيئات من مراقبة تلك الأموال؟ ».
وأوضح الوزير أن الأمر لا يتعلق بمراقبة حسابات المحامين، بل برصد أرصدة صندوق الودائع، قائلا: « نحن نرصد أرصدة الصندوق وليس حسابات المحامين ».
وكشف وزير العدل، في السياق ذاته، عن حالات قال إنها تهم استعمال أموال من صندوق الودائع، مشيرا إلى أنه في أكادير « تم سحب مليار لبناء شيء للمحامين، ثم استرجع 500 مليون »، كما تحدث عن هيئة قال إنها أدت مصاريف بالملايير تتعلق بمجلس هيئة المحامين من صندوق الودائع.
وخلص وهبي إلى القول إن « من العيب، سياسيا وأخلاقيا، القول إن نواب الأمة يرفضون المراقبة ».
وتنص المادة 75، كما عدلها مجلس المستشارين، على إحداث حساب ودائع وأداءات للمحامين على صعيد كل هيئة، يديره مجلس هيئتها، وتودع به، لزوما وعلى سبيل الوديعة، المبالغ المسلمة للمحامين المسجلين بجدول الهيئة، بما فيها تلك العائدة لموكليهم، كما تتم بواسطته كل الأداءات المهنية التي يقوم بها المحامي لفائدة موكليه والغير.
كما تنص المادة نفسها على إيداع كل المبالغ الناتجة عن تنفيذ مقرر قضائي بهذا الحساب، مع إلزام الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية وهيئاتها والمقاولات العمومية والشركات بإيداع المبالغ المحكوم بها لفائدة موكلي المحامين بحساب الودائع التابع لهيئتهم بواسطة كتابة الضبط. ويعتبر كل أداء يتم خلافا لهذه المقتضيات غير ذي قوة إبرائية في مواجهة الموكل أو المحامي، مع تحميل مرتكب المخالفة، عند الاقتضاء، مسؤولية أداء المبالغ العائدة للموكل أو مصروفات وأتعاب المحامي.
وبحسب التعديل الذي أقره مجلس المستشارين، يعد مجلس كل هيئة من هيئات المحامين، عن كل سنة مالية، حسابا سنويا خاصا بحساب ودائع وأداءات المحامين، يتضمن الوضعية المالية للحساب عند افتتاح السنة المالية، وجميع العمليات المالية والمحاسبية المنجزة خلالها، وكذا الوضعية المالية عند اختتامها، على أن يتولى نقيب كل هيئة تقديم هذا الحساب السنوي إلى المجلس الأعلى للحسابات داخل الآجال ووفق الكيفيات المحددة قانونا.
المصدر: اليوم 24



