هرمز… الأسئلة أكثر من الأجوبة
ملخص
إذا كان الحرس الثوري الإيراني هو من أغلق المضيق، فالسؤال المطروح لماذا يوجه ضربة إلى حلفائه ويمنح الولايات المتحدة مكاسب كبيرة؟ وإذا لم تكن هذه هي القصة، فما الرواية الحقيقية؟
يعتمد الذكاء الاصطناعي على الرقائق وأشباه الموصلات، التي يُنتج معظمها في مصانع متخصصة في تايوان وكوريا الجنوبية، ولا يمكن تصنيعها من دون طاقة رخيصة وهيليوم، وكلاهما يمر عبر هرمز، والآن بات المضيق شبه مغلق، ودُمر مصنع الهيليوم أثناء الحرب، علماً أن نحو ثلث الهيليوم العالمي كان يأتي من قطر.
تُعد الولايات المتحدة أكبر منتج للهيليوم في العالم، والأقدر على زيادة إنتاجه سريعاً لتعويض أي نقص عالمي، وهي أيضاً أكبر منتج للطاقة، بما في ذلك النفط والغاز والغاز المسال، وتتميز أسعار هذه الموارد فيها بأنها من بين الأرخص عالمياً، وهو ما يفسر تصديرها بكميات كبيرة إلى الخارج.
تعلن الولايات المتحدة صراحة أن هدفها هو ترسيخ الهيمنة عالمياً، عبر الطاقة الرخيصة والذكاء الاصطناعي، وبما أن الذكاء الاصطناعي لا يقوم من دون طاقة، فإن جوهر المسألة هو “هيمنة الطاقة”، وهذا يتطلب خفض أسعارها في الولايات المتحدة ورفعها في الدول المنافسة، وكما قال ترمب، فإن واشنطن تسعى إلى تزويد الشركات الأميركية بالطاقة بأسعار أقل من منافسيها في بقية العالم، ولذلك لا يقتصر سباق الذكاء الاصطناعي على الجامعات والمختبرات ومراكز البيانات، بل يمتد إلى حقول النفط والغاز وخطوط الشحن والمضائق البحرية والتأمين وشبكات الكهرباء، وهنا تبرز أهمية هرمز، لأنه يربط هذه العناصر جميعاً، مما يجعل الأزمة أوسع بكثير من مجرد النفط والغاز، وأعمق من أنها خلاف حول برنامج إيران النووي.
ومن هذا المنظور يبدو إغلاق هرمز مكسباً بالغ الأهمية للولايات المتحدة، ولا سيما على المدى الطويل، فلقد خدم إغلاقه المصالح الأميركية بوضوح، في حين ألحق ضربة قاسية بالاقتصادات الآسيوية، وإذا كان الحرس الثوري الإيراني هو من أغلق المضيق، فالسؤال المطروح لماذا يوجه ضربة إلى حلفائه ويمنح الولايات المتحدة مكاسب كبيرة؟ وإذا لم تكن هذه هي القصة، فما الرواية الحقيقية؟
الهيمنة الأميركية ومأزق اليابان
عند الحديث عن المستقبل فإننا نتحدث عن التقدم التقني، وفي مقدمه الذكاء الاصطناعي، ولذلك لا تقتصر المنافسة على الصين، بل تمتد إلى دول أخرى، فمثلاً تُعد قطر منافساً في الغاز المسال والهيليوم، المادتان الأساسيتان للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، بينما تمثل اليابان منافساً في التقنية، ومع إغلاق مضيق هرمز دخلت اليابان أزمة خانقة، وكأن مَن أغلقه كان يدرك تماماً ما سيحدث، فقد ارتفعت أسعار النفط بالين الياباني إلى أعلى مستوى في تاريخها، بينما بقيت أسعار الخام في الولايات المتحدة منخفضة نسبياً، سواء عبر المقارنة بالأسعار تاريخياً أو بالأسعار العالمية، وارتفعت معها أسعار الغاز المسال، وهما موردان تستوردهما اليابان، في حين كان الغاز في غرب تكساس يُباع بسعر سالب.
بعد إغلاق هرمز، قال بعض المحللين إن المخزونات العالمية انخفضت بشدة، ولذلك ستواصل أسعار النفط ارتفاعها، لكن هذا الاستنتاج كان خاطئاً، لأنه خلط بين المخزونات التجارية والمخزونات الإستراتيجية، فانخفاض المخزونات التجارية يرفع أسعار النفط، أما انخفاض المخزونات الإستراتيجية فيضغط عليها نزولاً، وبالعودة للبيانات يتضح أن معظم الانخفاض العالمي كان في المخزونات الإستراتيجية، وتركز أساساً في الولايات المتحدة واليابان، ولذلك فإن القول بأن المخزونات العالمية تراجعت كثيراً غير دقيق، حتى إن الانخفاض في المخزونات التجارية كان مركّزاً في الولايات المتحدة والصين.
ارتفاع أسعار النفط بالين الياباني إلى مستويات تاريخية، دفع الشركات اليابانية إلى التوقف عن شراء النفط، واضطر الحكومة إلى السحب بكثافة من المخزون الإستراتيجي، وهي كميات سبق شراؤها بأسعار منخفضة، وفي الوقت نفسه واصلت الولايات المتحدة السحب من مخزونها الإستراتيجي لإبقاء أسعار النفط المحلية منخفضة نسبياً، والسؤال الآن: لماذا انهار الين أمام الدولار؟ ولماذا لم يتكرر ما حدث في اليابان في دول أخرى؟
يعود السبب لرفع البنك المركزي الأميركي أسعار الفائدة، في حين أبقى البنك المركزي الياباني عليها منخفضة، وقد أدى ذلك إلى انتقال كميات كبيرة من رأس المال من اليابان إلى الولايات المتحدة بحثاً عن عائد أعلى، ولم يكن هذا التحول حدثاً عابراً، بل أصبح مساراً مستمراً، فبسبب الفائدة المنخفضة في اليابان اقترض المستثمرون بكثافة من البنوك اليابانية، ثم حولوا الين إلى دولار للاستثمار في الولايات المتحدة، وبعبارة أخرى، كان ذلك استثماراً شبه مضمون بكلفة ضئيلة، وهذا التدفق يعني بيع الين وزيادة الطلب على الدولار، فانهارت العملة اليابانية، وارتفعت أسعار الطاقة بقوة، وتضررت صناعات يابانية عدة، بما فيها مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
المشكلة الآن أن هناك قدرة لبنك اليابان المركزي على رفع أسعار الفائدة بشدة وتعديل الأمر، ولكن هذا سيحدث هزة مالية قد تؤثر في العالم ككل، وسيعارضها الأميركيون بشدة، فرفع أسعار الفائدة في اليابان بصورة كبيرة، لتعديل الوضع، سيؤدي إلى إفلاس عدد كبير من المستثمرين اليابانيين وغيرهم، لماذا؟ لأنهم اقترضوا بأسعار فائدة منخفضة، والآن عليهم أن يدفعوا فوائد عالية، قد تكون أكبر من العائد عليها في الولايات المتحدة.
نقلاً عن “اندبندنت عربية”
المصدر: العربية – سياسة
