هل أعادت الولايات المتحدة إنتاج اتفاق إسرائيلي لبناني سقط قبل أكثر من أربعة عقود؟
<p> </p>
<p><meta charset="utf-8" /></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="color:#0033cc;"><strong>متابعة – شبكة قُدس: </strong></span>لم يكن "اتفاق الإطار" الذي وقعته "إسرائيل" ولبنان في واشنطن أمس الجمعة حدثاً عادياً في تاريخ العلاقات بين الطرفين، إذ أعاد إلى الواجهة سريعاً مقارنة تاريخية مع اتفاق 17 أيار/مايو 1983، الذي وقعه الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل مع "إسرائيل" بوساطة أميركية، قبل أن يسقط بعد أقل من عام تحت وطأة الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يجد لبنان نفسه أمام اتفاق جديد، أيضاً برعاية أميركية، وفي ظل وجود قوات إسرائيلية داخل أراضٍ لبنانية، ومع انقسام داخلي حاد حول مستقبل سلاح حزب الله ودور الدولة اللبنانية في تنفيذ الالتزامات الأمنية.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">ورغم اختلاف الظروف الإقليمية بين المرحلتين، فإن المقارنة لا تستند إلى تشابه سياسي أو أيديولوجي، وإنما إلى عناصر موضوعية واضحة، أن كلا الاتفاقين وُقّع بعد حرب واسعة خاضتها "إسرائيل" داخل لبنان، وكلاهما ربط الانسحاب الإسرائيلي بترتيبات أمنية داخل الأراضي اللبنانية، وكلاهما جاء بوساطة أميركية، فيما قدمته السلطة اللبنانية باعتباره مدخلاً لاستعادة السيادة، في حين رأت فيه قوى معارضة تكريساً لمطالب "إسرائيل" الأمنية أكثر منه استعادة كاملة للسيادة الوطنية.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="color:#0033cc;"><strong>اتفاق 17 أيار… مفاوضات تحت الاحتلال</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">وُلد اتفاق 17 أيار بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حين وصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى بيروت للمرة الأولى، وحاصرت العاصمة، قبل خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية منها. وبعد اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل، انتُخب شقيقه أمين الجميل رئيساً للجمهورية في سبتمبر/أيلول 1982، ليدخل في مفاوضات غير مباشرة مع "إسرائيل" برعاية أميركية انتهت بتوقيع الاتفاق في 17 مايو/أيار 1983.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">جرت تلك المفاوضات في ظل "اختلال ميزان القوى"، إذ إن "إسرائيل" كانت تحتل أجزاء واسعة من الأراضي اللبنانية، بما فيها العاصمة بيروت سابقاً ومناطق واسعة من الجنوب، بينما كانت الدولة اللبنانية خارجة من حرب أهلية، وجيشها يعاني انقساماً وضعفاً، فضلاً عن وجود قوات سورية على أجزاء أخرى من الأراضي اللبنانية. وهذا الواقع منح "إسرائيل" قدرة تفاوضية أكبر، إذ كانت تربط انسحاب قواتها بتحقيق شروط أمنية وسياسية محددة، بينما لم تكن الحكومة اللبنانية تملك الوسائل العسكرية لفرض انسحاب غير مشروط.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">ولذلك، لم يكن اتفاق 17 أيار مجرد اتفاق انسحاب عسكري، بل تضمن ترتيبات أمنية وسياسية هدفت، وفق نصه، إلى إنهاء حالة الحرب بين لبنان و"إسرائيل"، ومنع استخدام الأراضي اللبنانية لشن هجمات على "إسرائيل"، وإنشاء آليات تنسيق أمني، إضافة إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي مرتبط باستكمال ترتيبات أمنية داخل لبنان. إلا أن هذا الانسحاب لم يكن مطلقاً، إذ ارتبط أيضاً بانسحاب القوات السورية، وهو شرط لم تكن الحكومة اللبنانية تملك القدرة على فرضه، الأمر الذي تحول لاحقاً إلى أحد أبرز أسباب تعثر الاتفاق.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="color:#0033cc;"><strong>اتفاق واشنطن 2026</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">أما اتفاق يونيو/حزيران 2026، فجاء بعد حرب استمرت عدة أشهر بين "إسرائيل" وحزب الله، شهدت توغلات إسرائيلية داخل جنوب لبنان وسيطرة على مناطق حدودية، إلى جانب غارات واسعة استهدفت البنية العسكرية للحزب. وانتهت المفاوضات التي رعتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوقيع اتفاق إطار في واشنطن بين ممثلين عن الولايات المتحدة و"إسرائيل" ولبنان، على أن يشكل بداية لمسار سياسي وأمني أطول.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">ويقوم اتفاق 2026 على فلسفة مشابهة من حيث ربط الانسحاب الإسرائيلي بترتيبات أمنية داخل الأراضي اللبنانية. فالنص يتحدث عن "عملية متسلسلة"، والمقصود بها أن تنفيذ الاتفاق لا يتم دفعة واحدة، وإنما على مراحل متتابعة، بحيث تتولى الدولة اللبنانية، عبر الجيش، بسط سلطتها على مناطق محددة، بالتوازي مع "التحقق" من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وفي مقدمتها حزب الله، قبل أن تنتقل "إسرائيل" إلى مراحل إضافية من إعادة انتشار قواتها.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">ويحتاج مصطلح آخر إلى تفسير، وهو "المناطق التجريبية"، الذي ورد في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين عقب توقيع الاتفاق. والمقصود به منطقتان في جنوب لبنان يبدأ فيهما تطبيق الاتفاق أولاً، حيث ينسحب جيش الاحتلال منهما تدريجياً، مقابل انتشار الجيش اللبنانية، على أن يُقيَّم نجاح التجربة قبل الانتقال إلى مناطق أخرى. وبذلك يصبح تنفيذ الاتفاق قائماً على مبدأ "الأداء مقابل الانسحاب"، أي أن كل خطوة إسرائيلية تقابلها خطوة لبنانية في مجال بسط سلطة الدولة ونزع السلاح، مع الإشارة إلى أن نص الاتفاق لا يتضمن جدولاً زمنياً للانسحاب أو بدء تطبيق خطة "المناطق التجريبية".</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">ومن هنا يظهر أول تشابه جوهري بين الاتفاقين؛ ففي الحالتين، لم يُطرح الانسحاب الإسرائيلي باعتباره التزاماً فورياً وغير مشروط، وإنما ارتبط بشروط أمنية داخل الأراضي اللبنانية. لكن الاختلاف يكمن في طبيعة هذه الشروط، ففي عام 1983 تمحورت حول منع العمليات المسلحة وإنشاء ترتيبات أمنية في الجنوب وربط الانسحاب بخروج القوات السورية، بينما تتركز في اتفاق 2026 حول تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، ونزع سلاحه، وانتشار الجيش اللبنانية وفق آلية تشرف عليها الولايات المتحدة من خلال مجموعة تنسيق عسكرية ثلاثية.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">تكشف قراءة بنود اتفاق 17 أيار/مايو 1983 واتفاق واشنطن في يونيو/حزيران 2026 أن الفارق بينهما لا يلغي التشابه في الفلسفة العامة. فكلاهما قدّم نفسه بوصفه طريقاً إلى الانسحاب الإسرائيلي واستعادة سلطة الدولة اللبنانية، لكن كليهما جعل هذا الانسحاب مرتبطاً بترتيبات أمنية داخل لبنان. والمقصود بالترتيبات الأمنية هنا ليس مجرد انتشار للجيش اللبنانية، بل إنشاء واقع ميداني يمنع أي قوة لبنانية أو فلسطينية أو إقليمية من تهديد "إسرائيل" انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">في اتفاق 17 أيار، نص الاتفاق على إنهاء حالة الحرب بين لبنان و"إسرائيل"، وعلى احترام سيادة كل طرف وسلامة أراضيه، وعلى امتناع كل طرف عن استخدام أراضيه أو السماح باستخدامها في أعمال عدائية ضد الطرف الآخر. كما نص على انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، لكن هذا الانسحاب لم يكن منفصلاً عن ملحق أمني طويل يحدد طبيعة الوجود العسكري اللبنانية في الجنوب، وعدد القوات، ونوعية السلاح، وآليات التنسيق والمتابعة. وهذا هو المقصود حين يقال إن الاتفاق لم يكن "اتفاق انسحاب" فقط، بل اتفاقاً لترتيب الجنوب اللبناني أمنياً وفق هواجس "إسرائيل". فقد أعطى "إسرائيل" ما هو أبعد من مطلب الخروج من لبنان: ضمانات تتعلق بما سيحدث بعد خروجها. </p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">أما في اتفاق 2026، فإن النص يعلن "احترام كل طرف سيادة الآخر"، ويمهد لعلاقات تطبيع عبر مسار تدريجي عنوانه الرسمي "استعادة السيادة اللبنانية" عبر نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية، ثم انسحاب "إسرائيل" من الأراضي التي احتلتها في الحرب الأخيرة. و"المسار التدريجي" المقصود فيه هو أن الانسحاب "الإسرائيلي" لا يحدث دفعة واحدة ولا بوصفه التزاماً مستقلاً، بل يجري على مراحل، تبدأ بما سُمي "المناطق التجريبية"، حيث ينتشر الجيش اللبنانية في منطقتين محددتين في الجنوب بعد انسحاب "إسرائيلي" منهما، ثم يُقيَّم التنفيذ قبل الانتقال إلى مراحل أخرى.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">هذا يعني أن "السيادة" في الاتفاقين لا تُفهم بالطريقة نفسها التي تعرضها اللغة السياسية الرسمية. فالسيادة في الخطاب اللبناني الرسمي تعني بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. لكن في النصوص العملية، تصبح السيادة مساراً مشروطاً: في 1983، على لبنان أن يمنع أي نشاط معادٍ لـ"إسرائيل" وأن يلتزم بترتيبات أمنية في الجنوب، وفي 2026، على لبنان أن يثبت قدرته على نزع سلاح حزب الله ونشر الجيش في مناطق محددة قبل أن تذهب "إسرائيل" إلى انسحاب أوسع. وهذا لا يعني أن الاتفاقين متطابقان، بل يعني أن كليهما نقل مطلب الأمن الإسرائيلي إلى داخل تعريف استعادة السيادة اللبنانية.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">الاتفاقان يجعلان الأولوية للمطلب الأمني الإسرائيلي قبل الانسحاب الكامل، ويحولان الدولة اللبنانية إلى جهة مطالبة بتنفيذ شروط داخلية، أهمها منع أي تهديد لـ"إسرائيل"، قبل أن تحصل على انسحاب إسرائيلي كامل وواضح. في اتفاق 17 أيار، ظهر هذا المعنى في ثلاثة مواضع: الأول أن الانسحاب الإسرائيلي رُبط بترتيبات أمنية في الجنوب لا يحددها لبنان وحده. الثاني أن الاتفاق ألزم لبنان بمنع نشاطات معادية لـ"إسرائيل" من أراضيه، وهو بند يمكن أن يبدو طبيعياً بين دولتين مستقلتين، لكنه في ظل الاحتلال كان يُقرأ كالتزام يسبق استعادة القرار السيادي الكامل. الثالث أن "إسرائيل" ربطت الانسحاب الكامل أيضاً بانسحاب القوات السورية، وهو شرط خارج قدرة الحكومة اللبنانية. لذلك رأى معارضو الاتفاق أنه يمنح "إسرائيل" حقاً عملياً في البقاء ما دام الشرط الإقليمي غير متحقق.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">وفي اتفاق 2026، يظهر المنطق نفسه ولكن بصورة مختلفة، فـ"إسرائيل" لا تقول فقط إنها ستنسحب عندما يطلب لبنان ذلك أو وفق جدول محدد، بل تقول، وفق تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، إنها ستبقى في "الحزام الأمني" بجنوب لبنان ما دام حزب الله لم يُنزع سلاحه وما دام هناك تهديد لـ"إسرائيل". هذه العبارة تجعل معيار الانسحاب مرتبطاً بتقييم "إسرائيل" للتهديد، لا فقط بتنفيذ لبنان الرسمي. ولذلك يرى حزب الله وحلفاؤه أن الاتفاق يعطي الاحتلال حق البقاء تحت عنوان الأمن، وأنه يحمل الدولة اللبنانية مهمة مواجهة المقاومة بدلاً من إلزام "إسرائيل" بالانسحاب أولاً.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">وهنا يجب تفسير عبارة "الحزام الأمني"، تاريخياً، تشير إلى منطقة تحتفظ فيها "إسرائيل" بوجود عسكري مباشر أو غير مباشر قرب الحدود، بحجة منع الهجمات عليها. في التجربة اللبنانية، ارتبط المصطلح بمرحلة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب قبل الانسحاب عام 2000. أما في خطاب 2026، فيُستخدم المصطلح للإشارة إلى مناطق في جنوب لبنان تقول "إسرائيل" إنها تحتاج للبقاء فيها ما دام تهديد حزب الله قائماً. وهذا الاستخدام يثير حساسية لبنانية كبيرة، لأنه يستعيد منطق الاحتلال المؤقت الذي قد يتحول إلى إقامة طويلة إذا بقي تعريف "الخطر" بيد "إسرائيل".</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">من هنا، فإن وصف حزب الله للاتفاق بأنه "هدية للعدو الإسرائيلي" لا يقوم فقط على رفض سياسي عام، بل على قراءة تقول إن "إسرائيل" حصلت على ما تريد: بقاء عسكري مؤقت مفتوح على التمديد، آلية دولية لمراقبة سلاح حزب الله، وضغط على الدولة اللبنانية لتنفيذ بند نزع السلاح.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="color:#0033cc;"><strong>كيف سُوِّق اتفاق 1983 وكيف يُسوَّق اتفاق 2026؟</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">يُسوِّق جوزاف عون ونواف سلام اتفاق واشنطن بلغة قريبة من تسويق الجميل: السيادة، الدولة، الجيش، الانسحاب، وعودة السكان. الرئيس عون وصف الاتفاق، بحسب ما نقلته وسائل إعلام دولية وإسرائيلية، بأنه "الخطوة الأولى" في مسار استعادة السيادة اللبنانية. والسفارة اللبنانية في واشنطن قالت إن الاتفاق يبدأ بانسحاب إسرائيلي من منطقتين تجريبيتين في الجنوب، وإن هذه الإجراءات تشكل "الخطوة الأولى نحو انسحاب تدريجي وشامل من كل الأراضي اللبنانية"، مع احترام سيادة لبنان. أما نواف سلام فربطه باتفاق الطائف والقرار 1701 وحصرية السلاح بيد الدولة، مؤكداً أن الهدف هو تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من كل الأراضي اللبنانية.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="color:#0033cc;"><strong>حزب الله يرفض الاتفاق</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">لم يتأخر حزب الله في الرد على الاتفاق، حيث قدّم النائب في كتلة "الوفاء للمقاومة" والقيادي البارز في حزب الله حسن فضل الله رؤية الحزب للاتفاق، ولم يقتصر على إعلان رفضه، بل شرح أسباب هذا الرفض. وقال فضل الله إن "معارضتنا جدية، ولن نسمح للسلطة بتنفيذ تعهداتها على الأرض"، معتبراً أن السلطة اللبنانية "أعطت هدية للعدو الإسرائيلي لن يكون لها أي مفاعيل على الأرض". وأضاف أن "هذه السلطة لن تستطيع فرض إرادتها على الشعب اللبنانية"، وأن "ما جرى في واشنطن هو محاولة لتعطيل مسار إسلام آباد، ومن دون المقاومة لا شيء سيمر".</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">ولم يتوقف موقفه عند الجانب السياسي، بل ذهب إلى جوهر الاتفاق، حين قال إن "السلطة لن تستطيع فرض تنفيذ الاتفاق الموقع في واشنطن إلا إذا ذهبت، بدعم أميركي، إلى حرب أهلية"، مضيفاً أن الحكومة "فاقدة للشرعية الدستورية والميثاقية"، وأنها "لا تملك أدوات فرض الإملاءات". كما وجه رسالة مباشرة إلى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بقوله: "نقول لنتنياهو إنك اتفقت مع من لا يملك القرار، وحالة العداء لـ"إسرائيل" ستبقى، ومن يصافح العدو لا يمثل الشعب اللبنانية". </p>
المصدر: القدس




