هل أنقذ الإخوان أيديولوجيا الثورة الإيرانية
الانتقال من مرحلة تصدير الثورة الإسلامية في إيران إلى تشكيل محور المقاومة كان حدثاً استثنائياً فرضته عوامل إيرانية خالصة، كشفت غطاءها انتفاضة طلاب الجامعات سنة 1999 والتي كادت تعيد شعلة صراعات الجامعات الإيرانية بعد انتصار الثورة سنة 1979 على إثر خطة إعادة هيكلة الجامعات والتي ضمت في تنفيذها طلابًا وأعضاء هيئات تدريسية وموظفين، بهدف تطهير الجامعات الإيرانية من العناصر غير المرغوب فيهم، وكانت مدعومة برجال الدين والطلبة الموالين للسلطة، والذين انطلقت شرارة البدء في دورهم وحراكهم الفاعل في أثناء عملية اقتحام السفارة الأمريكية في طهران، وما نتج عنها من أزمة الرهائن الأمريكيين بين 4 نوفمبر 1979 وحتى 20 يناير 1981 وما جرى خلال تلك الفترة القاسية من عملية إغلاق للجامعات الإيرانية استمرت ثلاث سنوات، تبدلت خلالها الهوية التعليمية، فيما سمي في حينها “بالثورة الثقافية الإيرانية” بهدف أسلمة التعليم وفق معايير الثورة.
ولعل العالم آنذاك شغلته أحداث السفارة والرهائن الأمريكيين عن الحوادث الكبيرة التي كانت تجري في إيران، فيما تبدو مسألة الرهائن في الذاكرة وكأنها جاءت لصرف الأنظار عن الداخل الإيراني الذي كان يعج بالفوضى والاعدامات للنظام السابق والتغييب القسري للمعارضين، إضافة الى ذبح المؤسسة التعليمية التي لم تكن تنسجم مع أبجديات الثورة، وكانت ذروة المواجهة انطلقت في نيسان 1980 في أعقاب رسالة الخميني مطلع السنة الفارسية ومما قاله: “ينبغي أن تحدث ثورة جذرية في الجامعات في جميع أنحاء إيران بحيث يتم تطهير الأساتذة المنتسبين إلى الشرق أو الغرب وتصبح الجامعات بيئات صحية لتدريس العلوم الإسلامية المتقدمة”.
كانت الثورة الثقافية الإيرانية على شاكلة الثورة الثقافية في الاتحاد السوفييتي ثم الثورة الثقافية في الصين، والتي جاءت بهدف اخضاع التعليم وفق الرؤية الماركسية عبر استبدال النخب الأكاديمية في عملية تطهير سياسي من جانب، وإعادة صياغة التعليم ليكون بمثابة أداة ولاء أيديولوجي، غير أن ايران كانت أبعد نسبياً عن الثورة الثقافية السوفييتية التي جاءت في ظل انتشار الأميّة هناك، وأقرب كثيراً من ملامح الثورة الثقافية الصينية والتي تميزت بإغلاق الجامعات قرابة ست سنوات بعد الاضطرابات التي بدأت في بكين 1966 عندما تم استخدام الطلبة في تأسيس “الحرس الأحمر” بقصد الانقلاب على المعارضين.
تماماً في إيران كسرت الثورة الثقافية شوكة الطلبة عشرين سنة حتى عام 1999 عندما استأنف الطلبة المشهد السياسي بعد إغلاق صحيفة الاصلاحيين، فمسألة اهتزاز منظومة التعليم كانت تعني بالنسبة للسلطات الإيرانية أن الأيديولوجيا التي اشتغلت عليها عشرين سنة فشلت في احتواء هذه المنظومة وإعادة تجييشها وفق أبجديات الثورة، فالطلبة الذين انتفضوا هم أنفسهم الذين نشؤوا تحت وطأة الأيديولوجيا الحاكمة ولكنهم لم ينسجموا معها، ما أعاد إلى الذاكرة دور الطلاب الفاعل في إسقاط نظام الشاه والخوف من تكرار المشهد مع السلطة من جديد.
بالتالي هي أزمة أيديولوجيا باتت تتلاشى قدسيتها بين النخب المثقفة ما يعني أن تسويقها غاية في الصعوبة، في بلد غارق في الأزمات لا يرتكز سوى عليها لضمان رضوخ الجمهور الذي ينتظر وينتظر، بالتالي كان صوت الطلبة قبل ذلك هو وسيلة التخلص من الخصوم غير أنه بات هو بذاته خصما.
تم إخضاع انتفاضة الطلبة في 1999غير أن النشاط الطلابي كان يتنامى خلال السنوات اللاحقة، فيما كانت السلطة غارقة في مجريات الاحداث في الساحة العراقية، بين الشريك الذي احتوت السلطة قياداته في طهران وهو تنظيم القاعدة، والدور الإيراني الذي أشير إليه في كوارث الفوضى الدموية في العراق. كانت هناك في ساحة بعيدة تطل عبر حرب تموز 2006 والتي قدم حزب الله ومن ورائه جماعة الاخوان أسطورة الانتصار الوهمي، فمع الدمار الهائل والضحايا كان حزب الله ينتصر في إعلام الاخوان ومن ساندهم، غير أن الأرباح تقاسمها نظام الأسد مع إيران بحسب ما صرح به أمين عام الحزب آنذاك، وبالتالي حصول إيران على المناصفة لم يحيي الأيديولوجيا في إيران كما يجب.
في 12 حزيران يونيو 2009 كانت إيران على أبواب موعد انتخابات ساخنة، استبقتها خلال السنوات السابقة عبر تحضيرات طلابية بهدف الوصول الى تغيير ديموقراطي محتمل وسط ديموقراطية شكلية، خصوصاً وأن مير حسين موسوي مرشح المعارضة الإصلاحية كان له دور بارز في النشاط الطلابي المعارض للشاه وشارك منذ منتصف السبعينات في تشكيل جماعة إسلامية معارضة، عدا عن كونه آخر رئيس وزراء في إيران بعد انتصار الثورة 1989/1981حيث ألغي المنصب. بالتالي كان موسوي يحمل ميزة مهمة في مواجهة أحمدي نجاد الذي لم يكن ضمن القادة الذين أداروا الثورة الإيرانية.
في الزاوية البعيدة كانت إسرائيل في 4 نوفمبر 2008 تقوم بغارة جوية على غزة، تلتها موجة من الصواريخ من غزة، ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي في 27 ديسمبر لقطاع غزة، ثم انتهت الحرب، ودخلت السياسة، وعادت لعبة الأيديولوجيا من بعيد، وفي مطلع مارس 2009 استقبلت إيران قادة حماس والمليشيات من لبنان والعراق واليمن إضافة إلى حشد كبير من جماعة الإخوان ” الثقل الأكبر في المؤتمر” جاؤوا بهم من مختلف أصقاع الأرض في مؤتمر ” دعم المقاومة” والذي حضره المرشد الأعلى والرئيس الإيراني وكان الأكبر من نوعه، وقد ارتكز على لازمة واحدة، وهي “انتصار المحور الإيراني” في غزة كما انتصر في لبنان، وذلك على أبواب مرحلة انتخابية تدرك إيران خطورتها، فقد كانت إيران بحاجة إلى إثبات نجاح النظرية في العراق ولبنان وغزة بعد اهتزازها في الداخل الإيراني وذلك قبيل تلك الانتخابات التي كانت ستجري في طهران بعد شهرين ونصف تقريباً.
في ذلك المؤتمر بالضبط كانت الولادة الحقيقية لمحور إيران، والذي أعاد عبر الإعلام تضخيم إنتاج أيديولوجيا الثورة الإيرانية وأنها قادرة على إثبات الانتصار والتمدد عبر مسمى محور المقاومة.
المصدر: العربية – سياسة





