هل التعليم أهم من التدريس؟
ثمة فارق جوهري بين التعليم والدراسة، فالدراسة ترتبط غالباً بكتاب ومقرر واختبار وشهادة، بينما التعليم عملية ممتدة تهدف إلى بناء الإنسان وتوسيع وعيه وتنمية قدرته على التفكير والتحليل والاختيار والتفاعل مع الحياة، وقد ينجح الطلاب في الدراسة ويحصلون على أعلى الدرجات، لكنهم لا يصبحون متعلمين بالمعنى الحقيقي إذا افتقدوا الفضول العلمي والثقافة العامة والقدرة على الحوار وحل المشكلات، ومن هنا يظهر أيضاً الفرق بين التعليم والتدريس، فالتدريس هو نقل منظم للمعلومات والمهارات داخل الصف أو قاعة المحاضرات أو المؤسسات التعليمية، أما التعليم فهو الأثر الذي يبقى بعد انتهاء المحاضرة، وهو التحول الذي يحدث في طريقة تفكير الطالب ونظرته إلى ذاته ومجتمعه والعالم، فالجامعة الحديثة لا يفترض أن تكون مكاناً لتلقي المعلومات فقط، بل مساحة للبحث والنقاش والتجربة والإبداع، ومؤسسة تُعد المواطن للمشاركة في التنمية وصناعة القرار والتعامل الواعي مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية.
بدأ التعليم النظامي في دولة الكويت من إرادة أهلية أدركت مبكراً أن المعرفة أساس التقدم، وشكل تأسيس المدرسة المباركية في مطلع القرن العشرين محطة مهمة في الانتقال من أنماط التعليم التقليدية إلى التعليم المنظم، ثم توسعت المدارس والبعثات والمؤسسات الأكاديمية حتى أصبح التعليم ركناً أساسياً في بناء الدولة الحديثة، غير أن الوفاء لهذه البدايات لا يكون بالاكتفاء بما تحقق، بل بمواصلة التطوير وفتح قنوات دائمة مع العالم الحديث، فالمعرفة اليوم عابرة للحدود، والجامعات المرموقة لم تعد تعمل بوصفها جزراً منفصلة، بل ترتبط بشبكات بحثية ومختبرات وشركات ومؤسسات مهنية ومراكز ابتكار عالمية، ولذلك تهتم دولة الكويت بتوسيع الشراكات الأكاديمية الدولية، وتبادل الطلبة والأساتذة، واستضافة البرامج المشتركة، وربط المناهج بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والصناعات الإبداعية، مع المحافظة على الهوية الوطنية واللغة العربية والقيم المجتمعية، فالانفتاح الواعي لا يعني التقليد، بل يعني اختيار أفضل التجارب العالمية وتطويرها بما يناسب احتياجات الدولة وطموحات أبنائها.
تثبت التجارب العالمية أن التعليم الحقيقي قادر على تغيير مستقبل الدول، وتقدم كوريا الجنوبية مثالاً ناجحاً، فقد جعلت التعليم والبحث العلمي والتدريب التقني ركائز أساسية في مشروعها التنموي، وربطت الجامعات بالمؤسسات الصناعية ومراكز الابتكار، فانتقلت خلال عقود من دولة محدودة الموارد إلى قوة عالمية في التكنولوجيا والصناعة والاقتصاد المعرفي، ولم يتحقق ذلك بكثرة الشهادات أو بتلقين المناهج، بل ببناء منظومة تعليمية تحترم المعرفة وتدعم الإبداع وتمنح الكفاءة قيمة حقيقية، ويمكن لدولة الكويت أن تطور نموذجها الخاص من خلال تحويل الجامعات إلى محركات للتنمية، وتشجيع البحوث المرتبطة بالتحديات الوطنية، وإشراك القطاع الخاص في تصميم البرامج الأكاديمية والتدريبية، وقياس جودة التعليم بقدرة الخريج على التفكير والإنتاج والابتكار، لا بقدرته على حفظ المقرر فقط، كما ينبغي أن تصبح المؤسسات التعليمية المرموقة شريكاً في صياغة المستقبل، لا مجرد جهة تمنح الدرجات العلمية، إن الانتقال من مفهوم الدراسة إلى مفهوم التعليم هو انتقال من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرصة، ومن استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ودولة الكويت تمتلك الإمكانات البشرية والمالية والتاريخ الثقافي الذي يؤهلها لتحقيق هذه النقلة، ومع رؤية واضحة وإدارة تعليمية شجاعة وانفتاح متوازن على العالم، يمكن أن تصبح قاعاتها الدراسية نقطة انطلاق لجيل أكثر ثقة وابتكاراً، جيل يبني اقتصاداً متنوعاً ومجتمعاً متماسكاً ومستقبلاً يليق بطموح دولة الكويت وشعبها المحب للتطور والإنجاز.
نقلاً عن القبس
المصدر: العربية – سياسة





