هل تستطيع واشنطن أن تكسب الحرب عسكريًّا من دون أن تخسر استراتيجيًّا؟
لا تُقاس قوة الدولة العظمى بقدرتها على كسب الحرب عسكريًا فحسب، وإنما بقدرتها على تحويل الانتصار العسكري إلى مكاسب سياسية مستدامة، والخروج من الحرب وهي أكثر قوةً وقدرةً على تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
وفي الحالة الأمريكية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا لأن حرب إيران تجري بينما تخوض واشنطن في الوقت نفسه منافسة طويلة الأمد مع الصين وروسيا، وتتحمل شبكة واسعة من الالتزامات الأمنية حول العالم. ومن ثم، فإن أي انتصار عسكري لا ينبغي أن يُقاس فقط بما ألحقه بالخصم من خسائر، وإنما أيضًا بما استنزفه من القوة الأمريكية، وما تركه من أثر في تحالفاتها، وما أتاحه لمنافسيها من فرص لإعادة تشكيل موازين القوى الدولية. فالحرب على إيران قد تكشف إخفاقًا استراتيجيًا إذا خرجت منها الولايات المتحدة وقد أضعفت قدراتها، واستنزفت مواردها، وتآكل جانب من مصداقيتها، واهتزت ثقة أقرب حلفائها فيها، بما يجعلها أقل قدرة على خوض الصراع الأكبر على مستقبل النظام الدولي.
فإيران تختلف عن كثير من الخصوم الذين واجهتهم الولايات المتحدة. فهي دولة كبيرة ذات عمق جغرافي وسكاني، وتمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة وشبكات نفوذ إقليمية، فضلًا عن موقعها المؤثر في أمن الخليج والممرات البحرية وأسواق الطاقة. ولذلك فإن إضعاف قدراتها العسكرية لا يعني بالضرورة إخراجها من المعادلة، كما أن التفوق الأمريكي في الميدان لا يضمن وحده القدرة على فرض نهاية سياسية للحرب. وقد أثبتت تجارب العراق وأفغانستان أن إسقاط نظام أو تدمير قدرات عسكرية يمكن أن يكون أسهل كثيرًا من تحويل التفوق العسكري إلى تسوية سياسية مستقرة.
وتزداد خطورة الأمر: إذا أصبحت رغبة واشنطن في إنهاء الحرب سريعًا مرتبطة بالحاجة إلى استعادة تدفق البترول وخفض أسعاره، فقد تتحول هذه الرغبة نفسها إلى نقطة ضعف تفاوضية. فكلما ازدادت حاجة الولايات المتحدة إلى إنهاء المواجهة، ازدادت قدرة إيران على رفع سقف مطالبها؛ إذ إن تمكين إيران من تحقيق إيرادات من مضيق هرمز وتصدير بترولها بحُرية سيغير طبيعة الشرق الأوسط، ويعزز النظام الإيراني، وقد يتيح له فرض تعزيز ثقله الاقليمي
ولا تتوقف المعضلة عند الشرق الأوسط.. فالولايات المتحدة لا تخوض الحرب في فراغ استراتيجي؛ فهي مطالبة بردع روسيا في أوروبا، ومواجهة الصين في المحيطين الهندي والهادئ، والحفاظ على تفوقها التكنولوجي والعسكري، وإدارة التزاماتها الأمنية في مناطق أخرى. وكل حرب طويلة تستهلك الذخائر والمعدات والقوات والموارد المالية، فضلًا عن الوقت والاهتمام السياسي. وما يُستهلك في جبهة لا يمكن استخدامه بالسرعة نفسها في جبهة أخرى.
والأخطر من ذلك أن إدارة ترامب تبدو، بعد اندفاعها إلى الحرب، وكأنها لم تمتلك منذ البداية تصورًا متماسكًا لكيفية الخروج منها. فقد كان واضحًا أن واشنطن دخلت المواجهة وهي تركز على ما تستطيع القوة العسكرية تحقيقه، من دون أن تضع بالقدر نفسه تصورًا واقعيًا لما سيأتي بعدها، أو كيف يمكن تحويل التفوق العسكري إلى نهاية سياسية تحفظ المصالح الأمريكية.
فإن الحرب على إيران لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران، بل باعتبارها اختبارًا جديدًا لحدود القوة العسكرية في عالمٍ لم تعد فيه الحروب تُحسم بالتفوق العسكري وحده، وإنما بالقدرة على تحقيق أهداف سياسية قابلة للاستمرار. فالنجاح العسكري الحقيقي لا يقاس بحجم الأهداف التي يمكن تدميرها، وإنما بقدرة القوة العسكرية على خلق شروط تسوية أفضل، ثم تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية تحفظ المصالح الأمريكية من دون الوقوع في حرب مفتوحة لا تستطيع واشنطن تحديد نهايتها.
ومع امتداد الحرب وتعقُّد تداعياتها الإقليمية والدولية، أصبحت إدارة ترامب أمام معضلة يصعب الخروج منها: فهي لا تستطيع الاستمرار في حرب مفتوحة من دون تحمل تكاليف متزايدة، ولا تستطيع إنهاءها بسهولة من دون تقديم تنازلات قد تبدو، في نظر خصومها وحلفائها، اعترافًا بأن أهدافها الأولى لم تكن قابلة للتحقيق بالشروط التي طرحتها. وهكذا تحولت الحرب تدريجيًا من وسيلة لتحقيق أهداف أمريكية محددة إلى مأزق استراتيجي يفرض على واشنطن البحث عن مخرج لا يبدو هزيمة، ولا يؤدي في الوقت نفسه إلى استنزاف طويل للقوة الأمريكية. وتزداد صعوبة هذا المأزق لأن تداعيات الحرب لم تعد محصورة في العلاقة مع إيران، وإنما امتدت إلى أمن الخليج، ومضيق هرمز، وأسواق الطاقة، وثقة الحلفاء، والعلاقة مع القوى الكبرى، بما يهدد بتحويل قرار الحرب إلى عبء على المصالح والمكانة الأمريكية نفسها.
وإذا كان التاريخ قد علمنا شيئًا، فهو أن قرار بدء الحرب يظل دائمًا أسهل من امتلاك استراتيجية واضحة لإنهائها. وعندما يغيب هذا التصور، تتحول القوة نفسها إلى عبء، وتتحول الحرب إلى مستنقع قد يبتلع من أشعلها قبل أن يبتلع خصومها.
نقلاُ عن المصري اليوم
المصدر: العربية – سياسة





