هل هناك مؤامرة؟
عندما تدركك هزيمة ما، أمامك طريقان للحل، الأول أن تفهم أخطاءك التى تسببت فى الهزيمة، وأن تذاكر نواقصك وتتداركها حتى لا تكررها فى المرات القادمة، أما الطريق الثانى فهو أن تعلق فشلك وهزيمتك على شماعة المؤامرة، وهو بالطبع الحل الأسهل، والأقل جهداً، والأبسط تبريراً، والأكثر دغدغة للمشاعر، وللأسف اختار العقل المصرى، ومعظم أفراد الشعب، الحل الثانى، والذى يشخص حالة عقلية كارثية، تنذر بعواقب مرعبة فى المستقبل،
فماذا يجدى انتصار كروى فى مجتمع باع عقله لنظرية المؤامرة؟، ما شاهدناه وتابعناه من هستيريا العيش فى نظرية المؤامرة، هو شىء مثير للعجب والدهشة والصدمة من غياب التفكير المنطقى العقلانى، خذ عندك ردود الفعل المصرية ضد ميسى، تعامل معه الشعب وكأنه شيطان رجيم، والسؤال الساذج الذى شغلنى ولم أجد له إجابة حتى الآن: ما هو المطلوب من ميسى بالضبط يا مصريين؟!، وماذا فعل من خطايا للتعامل معه بهذا الشكل المهين على السوشيال ميديا،
وإزالة صوره من أكياس الشيبسى، واتهامه بالصهيونية، والخوض فى عرض أسرته، وشتيمته على الميكروباصات، ودعوات إصابته بالصليبى… إلخ؟!،
هل كان مطلوباً منه مثلاً أن يحرز هدفاً فى نفسه لكى ترتاحوا؟، هل ما يرضيكم هو أن يترك الملعب، ويطلب التغيير، أو يضرب نفسه بمطواة فى وجهه؟، حقاً ماذا فعل الرجل الذى يعتبر أفضل لاعب كرة فى تاريخ اللعبة منذ اختراعها؟!، هناك من اعتبر أن من شروط منحك صك الوطنية الآن هو أن تشتم ميسى، وأن تتمنى له الموت، وإذا اعتبرنا ميسى هو من يدير منظومة الكرة، ورسمت لنا أوهامنا أنه هو الذى دبر خيوط المؤامرة، لذلك كرهناه، فهل المؤامرة يتركها الحكم بدون أن تنفذ حتى الدقيقة ٧٨؟!، أليس من الحكمة والذكاء والحصافة أن يبدآ تنفيذ المؤامرة مبكراً بعض الشىء؟، فى منتصف الشوط الأول مثلاً، بدلاً من الانتظار حتى آخر عشر دقائق!!،
ممكن يطرد لاعب من مصر فى بداية الشوط الأول من باب «التلكيك»، فتنهار نفسية لاعبينا، ونضطر للدفاع، فينقض لاعبو الأرجنتين، ويفترسوننا، وإذا كانت مؤامرة يتزعمها ميسى والفيفا والكون كله، فلماذا اعترضت الأرجنتين على هذا الحكم الفرنسى قبل المباراة؟، هل هى من ضمن شروط التمثيلية أو أدوار المسرحية؟!، وعندما تختار حكماً لتنفيذ مؤامرتك على مصر، هل الدنيا ضاقت عليك لتختار حكماً فرنسياً، أمنية بلده الأولى أن تزيح الأرجنتين حتى لا يتكرر كابوس كأس العالم الأسبق الذى ضاع منهم فيه على يد فريق ميسى؟!!،
هل هناك أى هدف من الثلاثة أهداف الأرجنتينية فيه شبهة مؤامرة؟، فلنقل إن الحكم أخطأ فنياً وتقديرياً كما أخطأ من قبله حكام فى مباريات أكثر مصيرية، لكن أن نقول عمالة ومؤامرة وخيانة… إلى آخر هذا العجب العجاب الذى ينتمى لدنيا الخيال أكثر من أرض الواقع، فهذه مبالغة ممجوجة، أفورة تجعلك على الدوام غارقاً فى أخطائك وسلبياتك ولن تصلحها أبداً، هل خروج البرازيل وكرواتيا وهولندا والبرتغال ركن من المؤامرة الكونية أيضاً؟!!، لماذا لم يلطم هؤلاء ويندبوا، ويصرخوا مؤامرة، امسك عميلاً؟، لماذا لم تصرخ الرأس الأخضر التى أدت بشرف هى الأخرى؟!،
اليابان خرجت فى هدوء، حتى إيران التى خرجت لأن لاعباً كان متسللاً بمقياس «بوز جزمة»، يعنى لو كان مقاس رجله ٣٨ كان الجون قد احتسب، حتى هذا الفريق الذى خرج أمامنا لم يتهم الحكم بالتآمر بسبب هذا التسلل فى مباراة كان الطرف الآخر الذى استفاد من الفار وقتها هو مصر، لكن ساعتها الفار كان جميلاً، وعليه سكر!،
حنانيكم يا مصريين، عليكم فقط أن تفكروا وتحللوا، لماذا هزمنا فى عشر دقائق بثلاثة أهداف متتالية شبيهة؟، لن أجيب أنا، ولتكن إجابتكم تتحرى الحقيقة فقط، لا العاطفة، وعلى كل مصرى أن يتوقف عن اتهام المختلف، أو الذى يفكر بحياد بارد فى وسط هذا اللهيب الحماسى المنقاد لنظرية المؤامرة، بأنه غير وطنى، أو خائن، فكلنا نحب مصر، لكن هناك من يريد حل مشاكلها بأوتار الحنجرة، وليس بفصوص المخ.
نقلاً عن “المصري اليوم”
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)