هندسة الموت غير المشاهَد.. غزة تحت حرب الاستنزاف البطيء
<p style="text-align: justify;"><span style="color:#0033cc;"><strong>متابعة – شبكة قدس: </strong></span>لم تعد حرب الإبادة في غزة تُقاس فقط بعدد الغارات المكثفة أو مشاهد الدمار الواسع، بل باتت تأخذ شكلاً آخر أقل ظهوراً على الشاشات، لكنه لا يقل فتكاً، فمع تراجع وتيرة القصف واسع النطاق، تتواصل الخسائر البشرية يومياً عبر القتل والاستهدافات المتواصلة والتجويع ومنع العلاج وتعطيل مقومات الحياة الأساسية.</p>
<p><meta charset="utf-8" /></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">إن منطق الكثافة المنخفضة للهجمات الإسرائيلية ليس تراجعاً أو تخفيفا من وتيرة الاستهدافات، بل هو إعادة تموضع لأدوات الحرب؛ حيث يستبدل القتل الصاخب بالقتل الصامت، ويستخدم عامل الوقت وتجميد الإعمار ومنع المساعدات والظروف القاسية كأدوات لكسر إرادة صمود الفلسطيني.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">وتعكس أرقام خروقات اتفاق وقف إطلاق النار هذا التحول بوضوح؛ فمنذ بدء الاتفاق ارتكب الاحتلال أكثر من 3338 خرقاً، أسفرت عن استشهاد أكثر من 1012 فلسطينياً وإصابة 3208 آخرين وفق أحدث إحصائية أعلن عنها مكتب الإعلام الحكومي في قطاع غزة، إضافة إلى اعتقال 100 شخص، وهو ما يشير إلى أن الموت لم يتوقف على الإطلاق.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">وتمتد حرب الاستنزاف الإسرائيلية إلى البعد الإنساني والمعيشي؛ فحتى اليوم لم تدخل إلى قطاع غزة سوى 54,023 شاحنة مساعدات من أصل 150,600 شاحنة كان يفترض دخولها، بنسبة التزام لا تتجاوز 36%، فيما سُمح بسفر 7,417 مسافراً فقط من أصل 20,600 كان يفترض تمكينهم من المغادرة. كما لا تزال عملية إعادة الإعمار معلقة فعلياً، ما يبقي مئات آلاف الفلسطينيين بين الركام ومراكز النزوح والخيم، في انتظار حلول رهن الاتفاق الذي كثرت خروقاته.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">وبات الفلسطينيون اليوم أمام معادلة استنزاف، حيث لم تعد الطائرات الحربية بحاجة لشن غارات عنيفة تأكل مربعات سكنية كاملة لكي تُعلن الحرب عن سريانها في قطاع غزة؛ فقد دخلت المواجهة مرحلة جديدة من الاستنزاف اليومي المنخفض الكثافة، مستفيداً من تراجع الزخم الإعلامي الدولي وتحويل الموت اليومي إلى "روتين".</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="color:#0033cc;">هندسة الموت غير المشاهَد</span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">في الأشهر الأولى للحرب، كانت الكثافة النارية هي المعيار؛ مجازر كبرى، آلاف الأطنان من المتفجرات، وأرقام صادمة للشهداء الفلسطينيين، دفعت العالم بأسره إلى الشارع، واليوم، يعتمد الاحتلال منطقاً مغايراً، يتلخص في ارتقاء عدد محدود من الشهداء يومياً جراء قصف مدفعي أو استهداف مسيّرات أو رصاص قناصة في مناطق متفرقة. </p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">ومن الناحية الإحصائية الإجمالية، فإن هذه الأرقام التراكمية تعادل على مدار شهر واحد مجزرة كبرى، لكنها بمقاييس الإعلام الدولي تفقد قيمتها الإخبارية المثيرة، مما يمنح الاحتلال غطاءً سياسياً ودبلوماسياً للادعاء بأن شدة العمليات العسكرية قد انخفضت، بينما الحقيقة أن النزيف مستمر ولم يتوقف.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"><span style="color:#0033cc;"><strong>التهجير الصامت</strong></span></p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">ويرتبط هذا التحول الميداني بمسار سياسي وتفاوضي يتعمد فيه الاحتلال عدم الالتزام ببنود التهدئة وتأخير ملف إعادة الإعمار بشكل ممنهج، فيحول خيام النازحين من ملجأ اضطراري إلى واقع حياة دائم، مع ما يرافقه من غياب شبكات الصرف الصحي، وانعدام المياه الصالحة للشرب، والكهرباء والغذاء، ويمرر هذا الواقع عبر جبهة الأوبئة من سوء التغذية وغياب الرعاية الطبية لأصحاب الأمراض المزمنة، وهذا النمط من الفقد لا يُسجل عادة في كشوفات القصف المباشر، لكنه يمثل أداة قتل بطيئة وفعالة.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">تسعى الاستراتيجية الإسرائيلية الراهنة من وراء تحويل الحرب إلى آلية استنزاف طويلة الأمد إلى تحقيق عدة أهداف، من بينها تخفيف الضغط الدولي عبر تقليص المشاهد الصادمة مثل الأشلاء والدمار الواسع التي تحرك الرأي العام العالمي، وشغل الحاضنة الشعبية وتحويل حياة الفلسطيني إلى سلسلة لا تنتهي من معارك البقاء الصغرى مثل البحث عن جرة غاز، تأمين حليب الأطفال، جلب مياه نظيفة وغيرها، مما يستنزف الطاقات النفسية والجسدية.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;">ويهدف الاحتلال من خلال ذلك إلى الدفع نحو هجرة فلسطينية قسرية صامتة تحت الحرب والدمار والفقد والتجويع، بما يتيح له تحقيق تفريغ ديموغرافي تدريجي وهادئ، من دون اللجوء إلى عمليات تهجير جماعي قد تثير ردود فعل دولية واسعة أو تُحدث كلفة سياسية عالية.</p>
<p dir="rtl" style="text-align: justify;"> </p>
<p dir="ltr" style="text-align: justify;"> </p>
المصدر: القدس
