..ويبقى الأدب
إذا مشيت في شارع الأزهر حتى نهايته، هكذا يفتتح شلبي جغروايته «بطن البقرة»، يجذبنا فنتأبط يده لأنه لا بد من رفيق يؤنس وحشتك وإلا سقط قلبك في حفر كثيرة، منذ قرون سار الحاكم بأمر الله على حماره، في هذه الأرجاء نفسها، ولم يره أحد بعدها قط (لكن الحمار عاد). وبينما تتوالى الصفحات الباقية، بين يمين ويسار، صعود وغطس، طمأنات وتحذيرات، تتكدس أوصاف دقيقة للاتجاهات والمعالم، يدهشك الإصرار على ذكرها وتفصيلها وربطها بالحركة الموجهة إليك، أنت أيها الغريب يا من لا تعرف بالضبط المكان، لدرجة تنسّم الوهم الجميل أنك لو خرجت الآن، بعد مواصلات وخلافه، واخترت فصلًا من الفصول واتبعت الدليل بين يديك، يمنّت ويسّرت وصعدت وغطست، ستجد الحقيقة مطابقة للورق تمامًا، متجاهلًا، ولو للحظة خاطفة، أن نحو ثلاثين عاما مرّت على نشر تلك السطور، وأن عجلة التغيير لا تكف عن الدوران، وأن هذا الموصوف بدقة غالبًا اختفى من الوجود، إلا ما رحم ربي.
وهذا بالتحديد، والتيه المغبش كالحلم الذي ينتظرنا، حيث يتشارك الأموات والأحياء المكان والنسيان، هو ما يجعل الخروج إلى مدينة الأشباح هذه أكثر إلحاحًا، والمشي دعوة.
ــــــــ
في تجواله، يعود خيري شلبي بكثرة إلى الخطط المقريزية، بالإضافة إلى كتب أخرى، حتى تكاد تجزم أن سبابته لا تنفك تلتصق بالصفحات المصفرة، يسأل المقريزية عن بركة الأزبكية، ويستفسر من التوفيقية عن أميرها، يتقصى شخصية مدفونة عند ابن تغري ويراجع واقعة عند ابن عبد الحكم. تلك الطريقة اللحوحة في سؤال الكتب، كأنهم أشخاص حاضرون معنا وحوالينا، لا يتخلى عنها بطول جغروايته. أسئلة هي تعاويذ في مدينة لا يبدو منها سوى ظاهر بائد، يشكك شلبي في انقطاعه الزائف عن التاريخ، ويكحت القشرة عن استكانته المملة، ينفخ في التراب كي يحضر الموتى، ويجرهم إلى مسرح مرتجل على عجل لا ليستعيدوا أماكنهم ويتنسموا كراماتهم، فلا أحد يقدر على طرد الحاضر الثقيل، وخصوصًا الأشباح، لكنه استعراض أديم أرض لا تشبع. مولد كبير لا يطرد غريب.
لكن، أهذه كل الحكاية، عرض أشباح من الماضي ومات الموضوع؟ ليس تمامًا؛ عند وصف الأزبكية يعتمد شلبي على كتاب من الخمسينيات لمحمد سيد كيلاني، لكنه عند أحد المواضع، يكتشف، بمراجعة المصادر، كثيرًا من الالتباسات الواجب تصحيحها.
أتخيله وقلم في يمناه يجلس القرفصاء أمام جامع أولاد عنان، أثر وحيد باقٍ من عصر ازدهار بركة بطن البقرة، في شارع الجمهورية في اتجاه باب الحديد، بينما الكتاب على ركبته يصححه، يشطب على الأمير أزبك ويرد اسم الجامع إلى أحضان أولاد البلد، ويكتب في الحواشي، ليس فقط ما فات الكتاب من التاريخ، بل كذلك تعقيب على ما جرى، هامشه التفاتاته الطويلة واكتشافاته الشخصية، تاريخ مكانه هو وسيره هو. لأن كتابًا للسير في الأرض والنظر لا يستقيم دون هوامش قارئه.
هي إذن دعوة أخرى؛ لأنه يلزمنا الكتاب (ومن ورائه كتب) في مشينا الذي لم يحدث بعد، دليل قريب، يحركنا ونستبطنه ونكتب هوامشنا في حواشيه، تعقيبنا على تعقيب على ما جرى.
إنه كتاب مفتوح يسألنا المشاركة. وهكذا كما حدد المشي (في الأرض وفي الكتب) بناء الكتاب، يُحدد كذلك طريقة قراءته.
ــــــــ
أفتح الكتاب. يخرج شلبي أول ما يخرج فلا يبتعد كثيرًا. استفتاح ورش مياه. إنه يتجوّل، دون استعداد مبالغ أو تغيير ملابس، في جواره، وجواره هي مدافن المجاورين، التي استأجر أحد أحواشها للكتابة منذ السبعينيات بعد صدفة عادية، حددت مسبقًا علاقته بالمكان. هنا يمتزج اليومي الاعتيادي بالتاريخي الاستثنائي، يمشي الواحد في زمن ويحدث أن يتعثر بحجر أو يوقفه جدار فيخرج إلى زمن آخر ومدينة أخرى من المدائن ذات القلاع الأسطورية.
السرد أشبه بنزهة هادئة آخر اليوم، حيث تتناوش كائنات الليل والنهار، في لحظات أخيرة، متبادلة الأوجه. والدليل نفسه جارٌ ومتلكيء، على أرضه وآخذٌ راحته، يترك نفسه للمألوف دون قلق فيقوده إلى صدف أخرى مخبأة، لا تفنى طالما يزاحم الأحياء الموتى. ولا يرجح شلبي بالضرورة كفة واحد على آخر، بل تشغله هذه المساحة الضيقة التي يتجاور فيها الاثنان. لا يؤثر في الحكاية الحي على الميت ولا الميت على الحي، بل يقسّمها بين ما يراه بخطواته وما يراه في كتبه. إن صدّعه العادي وآلمه جوره، جلس على كرسي واطئ على رصيف مقهى، يدخن ويستجلي في الخطط طبقات الزمن المطمورة على الواجهة المقابلة، وإن مّل ثرثرة التاريخي ورطانته، صفق يديه بتطامن إلى صبي المقهى أن يقلب الحجر، مشاكسًا أحد المجاذيب أو مبتهجًا بهجة عظيمة باقتراب زفة عروس كبيرة.
وبين هذا وذاك يتردد، على ما قُسم، وإذ يمشي يقلب مُجبرًا الصفحة بتغيّر الناس والأماكن، لا يسرح كي لا يتوه فتفوته تلك الجنازات الصغيرة لأطلال قديمة، أو يحدث وينسى أن يسجل في دفتره أيام السكّان الجدد لمدينة الأشباح ذات القلاع الأسطورية؛ إنها الحاجة للقبض سريعًا على هذه اللحظات العابرة في التاريخ، قبل أن يبتلعها النسيان التام من وراء الجرّافات والبلدوزرات. فبطن البقرة لا تتوقف عن التغيير، والواحد نفسه قد يحكي، في حياته القصيرة، عن أكثر من بطن بقرة.
ولأن الحكي على رواقة أجمل والكلام أروع، يعرج بنا شلبي إلى حي الباطلية الشهير، أو الباطنية الضارب ثقلًا دماغيًا وإجراميًا في ذاكرة التاريخ النايل درامي. هنا شلبي دليلك إلى القضاء والمسائل عبر مخرج وحيد وسبعة مداخل. وقبل أن ندخل في المسائل: علينا التخفف من بعض الحمولة وتهيئة البال للمغامرة، أن نرزن خطواتنا بتوطئة ولا نثير انتباه الأعين بتلفتات قلقة وكلام كثير. لا داعي للإطالة، ندخل ونخرج خفيف خفيف، ولنتبع التعليمات بلا تذمر، كي نطلع سالمين غانمين. دعنا من المخرج الذميم، فهو معروف، مجازي واحترازي، للرقابة والمواطن الشريف، آخرته حكومة وأغنية شعبية. المدخل هو ما يهم يا صديقي، ولدينا من المداخل سبعة، طبقات في الأمم والصنف. قضاء واجب، لنتخلص في الأول من التاريخ والجغرافيا، فالعلم في الراس وليس في الكرّاس، رحنا نحن في الباطل والدنيا خرائب في خرائب، وما العمل؟ المكان هنا يعرّف بقاطنيه، ليلة كبيرة أوي سعادتك، خلافة تندثر وأخرى تقوم وأسماء تتوالى تترى، قد تجدهم على صفحات الجرائد القديمة لكن في الكتب هذا قليل، يتحدث عنهم شلبي بالمضارع الحي، يحذرك من غضبتهم أو ينبهك إلى فروسيتهم، يشرح لك، بتفصيل أكثر مما اعتدنا في السابق، الطريق والاتجاهات إلى مضاربهم، ولأنك غالبًا ستتوه، يأخذك من يدك.
وحين يأخذك أحدٌ من يدك، يملأ رأسك بالحديث والوعد والوعيد، فإنك تتوقع أن تجد ما هو قائل تمامًا. وماذا تجد هنا، أنت يا مَن بللت ريقك وجهزت نفسك؟
أطلال، بعد أطلال، بعد أطلال، هذا إن كانت هناك.
لا تزعل، هكذا حال الدنيا وكثيرٌ منّا تفوتهم القعدة. لم يخدعك شلبي بدفسه الماضي في أنف الحاضر، ولا بإخفائه الموت في جيب سيّالته حتى اللحظة الأخيرة، ولا بهذا «الزمن الكابس» الذي ينتج لما سبق. الحقيقة، شلبي متسلطن وفي أفضل أحواله، يتلبس المكان بأساطيره ويتمثل أخلاقه وأنفاسه، يآنسك في غربة متوقعة من بعيد، ويروي مسلمًا بالقضاء الحياة المحددة بالفناء.
لهذا بالذات، عند شلبي، القعدة دائمًا دائرة والسهرة لا تخلص. عبر مرّات ومرّات من النزول خطفًا، ومن مداخل متعددة، لقضاء المسائل، يقبض شلبي على لفافة منسية من الماضي القريب ويناولها لك، يرسم في قلب بطن بقرته شارعًا من المنسيين لا ينام، مدخلًا بمعاول الأدب في التاريخ لمَن تركهم التاريخ، إضافته الحقيقية لعلم الخطط، حتى ولو أمامك الآن، إن خرجت، تلقى الحي نفسه وقد ضربت في أرجائه ماسورة محلّات فاست فودز.
والآن والخلق انفضّوا والليلة انتهت. ولا مزيد من الخدع. يركن شلبي في الأزبكية، أشهر الأحياء الثلاثة، بشكل يكاد يكون حصريًا إلى المشي في الكتب، ربما هو مُتعب من السهرة، ربما لعِظم وثقل الحي (للتاريخ، أجل، وللحكومة أيضًا) فلا يسمح لأبناء العصر بالمناكفة. بعد عطفة زمنية، يترك شلبي الراهنَ وناسه على ناصية، ليهرب إلى أزمنة أخرى. يقلّب ويختار، تقوده الخطط من يده، إلى قرى وجوامع، إلى أطلال وبقايا، فتتفاوت الفصول التي يكتبها طولًا وقصرًا، مختصرات إلى ينابيع قديمة. لا أكثر. إنه هنا في وقت راحته، والصباح رباح. فغدًا يوم جديد وبطن بقرة جديد. وهكذا أفعل أيضًا. أغلق الكتاب. متعبًا من اللّف ولم أتحرك من مكاني.
ــــــــ
في حكاية قديمة، أقرب للخرافة، يحكي شلبي عن السبب الذي جعل أصحاب الحوش يوافقون على تأجيره؛ سوف يكتب قصصًا فيقرأها الميت، ليتسلّى في عزلته الطويلة في حياته الأخرى. لاحقًا، وبعد سنوات من كتابة قصص للموتى (وهو أساسًا فن كتابة القصص)، حين أتت البلدوزرات إلى الموتى أنفسهم (وهي حتمية في أوقاتنا) في أثناء إنشاء الأوتوستراد، شاهد شلبي، في تجربة يقول إنه لن ينساها ما حيا، المحاريث تغوص في قلب التُرب فترمى بعظام الموتى على الجانبين، لكي يجيء وابور الزلط فيدوس الأرض يبططها ليعيدها، فإذا ما حطّ الظلام على المنطقة انبثقت من أكوام التراب بيارق ضوء خاطف، منبعثة من العظام البيضاء والجماجم منزوعة اللحم عن أسنان كالجواهر، أذرع وسيقان وأكفان بعضها طوي لم تنله يد البلى بعد. وهكذا كوّن خيري شلبي وجيرانه فريقًا صار يمضي وراء الماكينات الدائرة، يجمع الأشلاء في زكائب ويجهز للدفن.
تجميع أشلاء الموتى وإعادة تركيبهم وتلاوة قصص الأحياء وما جرى عليهم، هو شيء مصري بالضرورة، وهذا ما يفعله شلبي، بشكل أو بآخر، في بطن بقرته المفتوح، ولأنه وافد بريفية صميمة، عرف أن مدينته تخصه هو، لم يغفل أن يترك لنا فسحة للانضمام لاحقًا إلى هذا الفريق الذي يمضي وراء الماكينات، يمشي في الأرض يقلّب الأحجار وينقب عن الأشلاء، فالعمر قصير والبلدوزرات لا تتوقف، وخير ما نفعله أن نضيف عظمة أو جمجمة إلى تاريخ هذا الدهس الكبير، أن نكتب عن مدننا الشبحية التي تخصنا، والتي قد تكون الآن موجودة في عقولنا فقط، حكاية للقادمين وكذلك إلى من لم يعرفوا بعد أن لحومهم قد ديست بالأقدام. فكما يقول خيري شلبي، الكتابة هي الأُنس، بادئ ذي بدء.
لكل قارئ إذن بطن بقرته، حتى ولو كان غريبًا تمامًا، مثلي جاء من بعيد على السماع، قرأ قبل أن يرى وتخيّل قبل أن يلمس، لم يخسر أفضلية اللعب على الأرض، لأن الأرض طلعت ميتينها وصارت (وتصير) أخرى، تعيش مؤقتًا في حكايات الناس وتخلّد فقط في الكتب، غرابته لا معنى لها، لأنه لا مفر من تلبّس الغريب (وكلنا غرباء)، وما بدأ عنده أدبيًا ينتهي أدبيًا، في كتاب وليس خارجه، لأن ما سوى ذلك إلى زوال. والله كريم.
The post ..ويبقى الأدب first appeared on Mada Masr.
المصدر: مدى مصر (عربي)



