83 تريليون دولار.. أكبر انتقال للثروة في التاريخ ينذر بإعادة رسم خريطة الاستثمار العالمية

دخل العالم مرحلة غير مسبوقة من إعادة توزيع الثروات، مع انتقال تريليونات الدولارات من جيل بناها إلى جيل مستعد لإعادة توجيهها. هذا التحول لا يغير فقط من يمتلك المال، بل كيف يُستثمر ويُدار، في لحظة قد تعيد تشكيل أسواق الأصول التقليدية وصعود رهانات جديدة على التكنولوجيا والاستدامة.
شهد العالم بداية أكبر انتقال للثروة في التاريخ الحديث، مع استعداد ورثة لتلقي تريليونات الدولارات من الثروات العائلية واستخدامها بأساليب مختلفة جذرياً عن الأجيال التي بنتها.
تقديرات بنك “UBS” تشير إلى انتقال نحو 83.5 تريليون دولار خلال العقدين المقبلين من جيل “طفرة المواليد” – رواد الأعمال القدامى – إلى الأبناء والأحفاد، فيما ينتظر أن تنقل العائلات المليارديرة وحدها حوالي 6.9 تريليون دولار بحلول 2040.
اعتمد الجيل الأول من الأثرياء على بناء ثرواتهم في مجالات مركزة يفهمونها جيداً، مثل الشركات العائلية أو العقارات أو الأسهم المحلية الكبرى. لكن تحرك الجيل الجديد بشكل مختلف، مدعوماً بتعليم دولي وانفتاح أكبر على الأسواق العالمية، ما دفعه إلى تبني استثمارات أكثر تنوعاً.
وُصف الجيل المؤسس بأنه “جيل البنائين”، إذ ربط ثروته غالباً بفئة أصول واحدة، بينما نظر الورثة الشباب إلى الثروة من منظور عالمي، ومالوا إلى توزيع استثماراتهم عبر أسواق وفئات أصول متعددة بدل التركيز التقليدي، وفقاً لما ذكرته شبكة “CNBC”، واطلعت عليه “العربية Business”.
دفع هذا التحول نحو إعادة توجيه جزء من الثروة الموروثة بعيداً عن الأصول التقليدية، خاصة العقارات، التي هيمنت تاريخياً على استثمارات العديد من العائلات، خصوصاً في آسيا، حيث بدأ الجيلان الثاني والثالث في تنويع محافظهم عبر جغرافيات وأصول مختلفة.
وأظهر مسح أجرته “ناتيكسيس إنفستمنت مانجرز” أن 53% من جيل الألفية يفضلون الاستثمار في الأصول الخاصة، فيما ناقش 62% منهم العملات المشفرة مع مستشاريهم، مع خطط لدى 44% لزيادة أو بدء الاستثمار في العملات الرقمية خلال عام واحد.
عكس الجيل الشاب أيضاً شهية أعلى للمخاطر، إذ أبدى 78% من مستثمري آسيا والمحيط الهادئ من جيل الألفية رغبتهم في تحقيق عوائد تفوق السوق، مقارنة بـ38% فقط من جيل “طفرة المواليد” المستعدين لتحمل المخاطر.
ونظر الورثة الجدد إلى المال باعتباره وسيلة لتحقيق أهداف، وليس غاية بحد ذاته، مع تحول في طريقة التفكير من تراكم الثروة إلى كيفية توظيفها بفاعلية.
انعكس هذا التوجه على أنماط الإنفاق، حيث تراجع الاهتمام بالرموز التقليدية للثراء مثل مجموعات السيارات، مقابل تفضيل الخبرات الحياتية وأنماط العيش العالمية، بما في ذلك امتلاك عقارات في دول متعددة تجمع بين الاستثمار والتنقل.
وتصاعد الاهتمام أيضاً بالاستثمار المستدام والمؤثر، إذ أشار بنك “يو بي إس” إلى أن نحو نصف مستثمري الجيل الجديد إما استثمروا بالفعل أو أبدوا رغبة في دخول هذا المجال.
أعاد هذا التحول تشكيل طريقة إدارة الثروات العائلية، حيث تعامل الجيل الجديد مع الميراث باعتباره مسؤولية أكثر من كونه مكسباً مالياً، مع تركيز متزايد على الحوكمة والتخطيط للتعاقب وإدارة الأصول بشكل مؤسسي.
رغم ذلك، لم يخل الانتقال من المخاطر، إذ حذر المستشارون من أن التهديد الأكبر للحفاظ على الثروة لا يكمن في حجمها، بل في الخلافات العائلية وضعف التواصل بين الأجيال.
تمسكت العديد من العائلات المؤسسة، خاصة في آسيا، بالسيطرة على الثروة، في وقت يدفع فيه الورثة نحو مزيد من الشفافية والهياكل الرسمية لإدارة الأصول، ما يخلق توترات قد تتحول إلى صراعات داخلية.
أكد الخبراء أن نجاح هذا الانتقال التاريخي لن يعتمد فقط على هيكلة الأصول، بل على إعداد الجيل الجديد لإدارة الثروة والحفاظ عليها، في اختبار مزدوج يجمع بين المال والحوكمة العائلية.
المصدر: العربية – اقتصاد



